الموت (الصامت) لمكتبة باريسية أسطورية

من داخل الأيام الأخيرة لمكتبة Le Pont Traversé


حجم الخط-+=

ترجمة: عبير علاو

عندما أعلن أن الموعد النهائي لإغلاق مكتبة الكتب الأسطورية Le Pont Traversé سيكون في 31 كانون الأول/ ديسمبر من سنة 2019 في باريس؛ أجرت العديد من محطات التلفزة الفرنسية مكالمات هاتفية وحاولت إقناع Josée Comte-Béalu بإجراء مقابلة مصورة، لكنها رفضت كل واحد منهم.
وبررت ذلك في حديثها قائلة: “إنهم كالنسور”، في الحين الذي أصيبت فيه باريس بالشلل بسبب الإضراب العام وتوقف وسائل النقل، أصبحت المكتبة بسبب ذلك هادئة بشكل غير عادي، مما دفع بـ Josée لاستغلال هذه اللحظة الهادئة لإرفاق بطاقة السعر على الثريا الزجاجية الأوبالية -وهي قطعة نادرة من أوائل القرن العشرين- لتعرضها للبيع مع بقية كتب المكتبة البالغ عددها 11000 كتاب.
وقالت Josée: “إن الصحافة والتلفزيون أصبحوا يبدون اهتمامًا مفاجئًا بمقابلتي لأن المكتبة ستغلق” ثم أضافت المرأة التي تبلغ من العمر 70 عامًا كمكتبتها: “لكنني أعتقد أنه يجب علينا أن نتحدث عن أولئك الذين بدؤوا للتو”.
على الرغم من الهدوء الذي تسكبه على المكان، فإن من الصعب قبول أن مكتبة “Le Pont Traversé” -والتي سميت باسم استعاره الكاتب الفرنسي جان بولهان من قصة قصيرة عام 1921 والذي يعني “الجسر المتقاطع”- ستختفي من المشهد الأدبي الباريسي، وهي مكتبة تشغل مكانًا كان متجر جزار”قبيح جدا” في السابق، ووفقًا لـ Josée، فقد كانت المكتبة التي اشتهرت بواجهتها الزرقاء في منتصف الليل تلبي احتياجات عشاق الشعر وكتاب الفن لعقود من الزمن، كما أنها تلبي احتياجات الأشخاص الذين يحبون اقتناء الطبعات النادرة.
وكان أحد هؤلاء الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران، إذ تذكر Josée: “لقد كان عميلنا الدائم، وكان غالبًا ما يأتي مع ابنته مازارين” وتضيف “لقد كان يحب الكتاب الفرنسيين الذين برزوا في القرن العشرين، مثل رينيه جاي كادو أو أندريه بيير دي مانديارج”.

ويمكن رصد أسماء هؤلاء الزوار وغيرهم على بطاقات مكتوبة بخط اليد مرفقة على أرفف الكتب المرتفعة حتى السقف، كما تمتلئ الأدراج الخشبية الجميلة في المكتبة -والتي كانت تستخدم في الأساس للحوم المهملة- بأحجام مختلفة من الكتب الشعرية المغبرة، وإصدارات قديمة من المجلة الأدبية لجان بول سارتر، ومجلة سيمون دي بوفوار الأدبية Les Temps Modernes، ونسخًا ممزقة من الروايات الفرنسية العائدة للقرن العشرين ومجموعات مختلفة من الكتب الفنية، فضلا عن عشرات المطبوعات الحجرية والنقوش، فعندما تتجول في المتجر، ستشعر، كلما ازداد غموض ذوقك القرائي؛ زادت فرصتك في العثور على هذه الأحجار الكريمة بين الكتب التي كنت تبحث عنها.
وفقًا إلى Josée -ذات الشعر الطويل- فهي تتيح لعملائها التنقيب في أكوام الكتب مدةً طويلة دون إزعاجهم، لكنها حدسيًا تعرف متى يحين الوقت لأن تتدخل وتقدم المساعدة.
تقع مكتبة Le Pont Traversé على حافة حدائق لوكسمبورغ على الضفة اليسرى، وقد اضطرت إلى التوقف عن العمل بسبب ارتفاع الإيجارات، ولم يكن هذا أمرًا غير مألوفًا في عالم المكتبات المستقلة، أغلقت لذات السبب أيضًا مكتبة La Hune البالغة من العمر 70 عامًا في Saint Germain-de-Près أبوابها قبل أربع سنوات.
تقبع المكتبة في الدائرة السادسة التي تعرف بأنها الحي الباريسي الأغلى، لذا بعد سنوات من الكفاح، لم تتمكن Josée من العثور على أي شخص يكمل مزاولة الأعمال التي أنشأها زوجها الراحل، وفي حالات مثل هذه، يشعر السكان المحليون بالمرارة من رؤية هذه المؤسسات الثقافية تختفي وتستبدل بمحلات الأزياء الفاخرة التي تتعدى على الحي الأدبي في باريس.

أُسست مكتبة Le Pont Traversé في عام 1949م على يد الشاعر مارسيل بيلو، الذي كانت قصائده الخيالية متأثرة بالكتاب الرومانسيين الألمان، أما Josée فهي من مدينة باو في جنوب فرنسا سافرت إلى باريس في عام 1973 لمقابلة الشاعر مارسيل بيلو إذ كانت حينها تكتب أطروحة ماجستير عن أعماله، ثم واصلوا النقاشات من خلال الرسائل، وبعد عدة شهور من ذلك، كتب لها بيلو خطابًا يسألها فيه عما إذا كانت تقبل تحديا يكمن في أن تنتقل إلى باريس وتدير المكتبة معه، ففكرت في الأمر مليا مدة ثلاثة أشهر تقريبًا، من عيد الميلاد وحتى عيد الفصح، ثم انتهى بها الأمر بأن توافق على اقتراح الانضمام إليه، فكانت تعمل ستة أيام في الأسبوع بدوام كامل في المكتبة منذ ذلك الحين، وبعد وفاة بيلو في عام 1993م أصبحت تديرها بمفردها.
بعد وفاة بيلو، واجهت Josée تحديًا جديدًا حين انتشر في التسعينيات كره للنساء العاملات في متاجر الكتب النادرة في باريس، وقد قالت حين استذكرت ذلك اليوم الذي أتى فيه جامع كتب شهير إلى متجرها بعد أن رأى طبعة نادرة جدا في واجهة Le Pont Traversé: “لم يكن جامعو الكتب من الذكور يعتقدون أن لدي معرفة كافية بالطبعات النادرة والأولى من الكتب لبيعها”. فلقد وصف السعر الذي قدمته بأنه فلكي ومبالغ فيه، فأعطته خصمًا صغيرًا عليه لكنه رفض ذلك وخرج، بعد ذلك بمدة قصيرة، قررت بيع الكتاب في أحد المزادات بواسطة زميل ذكر، وكانت مفاجأتها عظيمة حين اكتشفت أن الكتاب بيع لذاك الجامع نفسه بثلاثة أضعاف السعر الأصلي! وقالت: “كانت تلك المدة مؤلمة ومهينة وعانيت فيها كثيرًا” ثم أضافت “أعتقد أن الرجال بدؤوا للتو في الاعتراف بأنه من الممكن للمرأة أن تكون على دراية بهذه الأشياء.”
كانت نزعة المكتبة لكتب الشعر تميزها دائمًا عن باقي مكتبات الحي اللاتيني المليء بالكتب، حيث يجذب هذا الميل حشدًا انتقائيًا من الوزراء وأفراد الطبقة الوسطى وسائقي سيارات الأجرة الذين يفدون إليها دون غيرها، فقبل بضعة شهور، قدمت جماعة من نساء شابات إلى المكتبة بغرض البحث عن شاعرات نساء مثل مارسيلين ديبوردس-فالمور Marceline Desbordes-Valmore ويانيت ديلتانغ-تارديف Yanette Delétang-Tardif والتي تعد أقل شهرة بكثير من معاصريها من الرجال، لكن أُحييَ ذكرها الآن بفضل المدونين الفرنسيين الذين يكتبون عن الشعر، وقد تعجبت خوزيه منهم فقالت: “كان حماسهم غير عادي، أشعر أنه عندما يقع الشباب في حب الكتّاب اليوم، فإنهم يقعون في ذلك بقوة”.

من المؤكد أن إغلاق مكتبة Le Pont Traversé لن يهز أسس الحي الأدبي في باريس، فلا يزال الحي اللاتيني يتمتع بأكبر تجمع للمكتبات في باريس، لكنه يترك المرء يتساءل عن عدد المكتبات في العاصمة الفرنسية التي لا تزال تتمتع بأجواء عالمية متفردة مثل هذه المكتبة وكيف يمكن للكثيرين أن يصلوا إلى مستوى تفانيهم في هذا النوع من التمثيل الذي يفتقده الآن نظام التعليم الفرنسي.
وبالنسبة لشخص يبيع الشعر منذ سنوات، تُصدر Josée إعلانًا غريبًا فتقول: “الشعر أمر في منتهى الحميمية، لدرجة أنني أشعر أننا يجب ألا نتحدث عنه أبدًا، فكل ما على المرء فعله هو تجربة الأمر داخل نفسه”.
ويبدو أنه من المناسب لها أن تتعامل مع هذه الأيام الأخيرة لـ Le Pont Traversé بطريقة مشابهة، هادئة وبعيدة عن ضجيج كاميرات التلفزيون.

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى