ماذا يعلمنا عالم الحيوان عن طبيعة الإنسان- نيك ماكدونيل

حوار بين كارل سافينا ونيك ماكدونيل


حجم الخط-+=

حظيتُ مؤخرًا بفرصة للتحدّث مع عالم البيئة الأستاذ والناشط والكاتب كارل سافينا. تحدّثنا عن أحدث كتبه “أن تصبح بريًّا[1]” والذي حوى وصفًا دقيقًا وشاعريًا لمباحثه في ثلاث فصائل غير بشرية وهي: حيتان العنبر، والببغاوات القرمزية وقرود الشمبانزي. أبحرَ سافينا بمعية بعض أبرز علماء الأحياء في العالم، وشق طريقه مقتربًا من هذه المخلوقات ليتعرّف عاداتها التي تنتقل من جيل إلى جيل مثلنا، وإرثها التقليدي الذي يشكّل حيواتها كما تتشكّل جيناتها. تطرّقنا في حديثنا إلى داروين، وما وراء الطبيعة، ومسلسل التاج[2] على نتفليكس، ولغز أغنية الحوت الأحدب، وغير ذلك الكثير. أسعدني الحوار لأنني كنتُ قد كتبتُ رواية بعنوان “مجلس الحيوان[3]” ستُنشر في صيفنا هذا[4]. في هذه الرواية يجتمع سبعة من الحيوان للإدلاء بأصواتهم في مشكلة البشر التي تكاد تخرج عن متناول اليد (أو المخلب أو الزعنفة حسب مقتضى الحال)، كما تبدو في غلاف الكتاب. وعلى طريقة علماء الطبيعة العظماء، طرح سافينا تساؤلات علمية حول كيف يمكن أن يأنس الإنسان بالعيش مع الحيوان بأريحية أكبر.

* في الأسطر أدناه جزء من حوارنا، بعد التحرير والاختصار للتوضيح.

نيك ماكدونيل: استشهدتَ في كتابك “أن تصبح بريًّا”، بشيكسبير وملفيل وإيمرسون، وكان في الكتاب كثير من التلميحات الأدبية الرائعة. لدي فضول لأعرف ما إذا كان في حوزتك كتب محددة عن الحيوان؟

كارل سافينا: ياه! لا شك في أن مثل هذه الكتب الهامة موجودة مما لا يخطر ببالي الآن… لكن دعنا نبدأ القصة من بدايتها، وأن أستهل حديثي بالقول إنّ علاقتي بالحيوان بدأت من الحيوانات أنفسها. لم أتعلم شيئًا ثم أختبره ميدانيًا. كان لاتصالي المباشر بعالم الحيوان الأثر الأكبر في إثارة اهتمامي وتحفيز رغبتي في التوغل في هذا العالم أكثر. ومن باب أن الشيء بالشيء يُذكر، أذكر أنني عندما كنتُ طفلًا صغيرًا -قبل أن أتعلم القراءة- كان في المكتبة كتاب بعنوان “الجمل الذي كان يمشي[5]” وعندما استطعتُ أخيرًا تسجيل اسمي في المكتبة، ترددتُ عليها مرارًا، وقرأ لي أبي الكتاب مرات كثيرة… بدا لي كتابًا ماتعًا؛ عن قطيع من الحيوان يَضعون خطةَ تصدٍ لإحباط هجوم نمرٍ على الجمل الذي كان يمشي.  

نيك ماكدونيل: يبدو رائعًا.

كارل سافينا: ثم قرأتُ كتابًا وأنا في الصف الخامس أو السادس عنوانه “رحلة مذهلة[6]” عن قط وكلبين ابتعدوا عن صاحبهم مسافة مئة ميل، وكان عليهم إيجاد طريق العودة إلى المنزل.

نيك ماكدونيل: نعم، لقد صُوِّر هذا الكتاب فيلمًا.

كارل سافينا: بعد ذلك انصرف ذهني عن الكتب الخيالية إلى المجال العلمي، فقرأتُ لـ كونراد لورنز[7] الذي تركتْ كتبُه بي أثرًا كبيرًا. وفي الكُلية قرأتُ لـ دونالد جريفين[8] وإدوارد ويلسون [9] الذي لم يكن يكتب عن الحيوان حصرًا، باستثناء كتابه “علم الأحياء الاجتماعي[10]”. إن قراءة سبعمائة صفحة لهذا العالِم العظيم كفيلة بإثرائك وإقناعك، وهو الذي قال “إن القدرات العقلية ليست إلا قدرات متطورة”.

نيك ماكدونيل: بالحديث عن التطور، اقتبستَ في كتابك سطرًا رائعًا من داروين وهو: “إنّ من يفهم قرود البابون يمكن أن يبذل الكثير لعلوم ما وراء الطبيعة أكثر مما بذل لوك”. الأمر الذي جعلني أفكر في العلاقة بين دراستك للطبيعة واعتقادك في الأمور الخارقة للطبيعة، كيف تغيّر ذلك بمرور الزمن؟

كارل سافينا: سؤال مثير للاهتمام ويصب في صميم موضوع الكتاب الذي أعمل عليه الآن. فجزء كبير من هذا الكتاب -إن أمكنني إتمامه- يعني باعتقادات الناس في الأمور الخارقة للطبيعة. إن آراء الناس ومذاهبهم فيما يتعلق بالطبيعة والكون تجنح مباشرة إلى الدين وعالم الأرواح. لقد نشأتُ على المذهب الكاثوليكي، وفي سن الثانية عشرة ابتعدتُ عن الكاثوليكية -إلى حد ما- وكان يراودني شعور على الدوام بوجود شيء آخر غير الذي أعرف، إلى وقت تخرّجي في الكلية عندما اعتقدتُ بأنه لا وجود للأرواح، أقصد عقول للذوات غير البشرية. وأقصد بالعقل: العقل الواعي الذي يلاحظ، ويعرف ويفكر. لم أصدّق بوجود أشياء كهذه. كانت العلامة الفارقة ربما قبل ثماني سنوات أو نحوها في محادثة مع أحد زملائي في التدريس، وهو طبيب قال لي بموضوعية: تعلم أن الطيور تظهر عندما يموت إنسان. قلتُ لنفسي في الحقيقة لم أكن أعلم ولكنني فكّرتُ في الأمر، وتذكرت قصة أحد أصدقائي الذي كان رسام طيور مشهور. في يوم وفاته حدثَ أمر غريب عندما جاء طائر النمنمة إلى منزله وأخذ ينقر على النافذة وكأنه يحاول الدخول إلى المنزل. بدأت يومئذ في الاحتفاظ بسجل أسميته “ظهور الطيور عند الموت.” وبعد سنوات من حفظ هذه المرويات التي أسمعها ومن بينها أمران حدثا معي شخصيًا، أدركتُ أن كثيرًا من الشعوب تعتقد في ثقافاتها بحضور الطيور عند الموت. ذات مرة كنا نشاهد مسلسل التاج… تعرف هذا المسلسل؟

نيك ماكدونيل: نعم أعرفه.

كارل سافينا: كان في المسلسل مشهدان لحالتي وفاة يليهما مباشرة ظهور طير أو سرب من الطيور التي تلوح بطريقة غريبة. ثم تضخّم حجم السجل الذي أملك وفيه تدوينتين باسم بيتر ماتيسن. غيّرني ذلك -بعد نحو أربعين سنة- ونقلني من حالة اليقين بعدم وجود عقل للذوات غير البشرية إلى حالة الشك، كما أن تعطيل الإنكار في أوقات المعاناة يمكن أن يكون مُسَكِّنًا. ليس إلى الحد الذي يقطع الشك باليقين ولكن ما بذلك بأس.

نيك ماكدونيل: في أحد فصول كتابك “أن تصبح بريّا” عندما كنتَ في البحر مع حيتان العنبر كتبتَ مقطعًا أذهلني، إليك نصه: “لساعة من الزمن أقف هنا حيث أكون أفضل ما أكون، وسط كائنات حية ذات قوى أعظم، سبقتني إلى الوجود بزمن طويل، ولربما تتعدى أعمارها أعمارنا جميعًا. . . تهزني فتوقظني وأشعر أنني بينها في وطني”. هلا حدّثتني قليلاً عن هذا المقطع؟ ماذا تقصد بـ”تهزني فتوقظني؟”.

كارل سافينا: أرى أننا في غالب حياتنا -العصرية والمادية وهذه الحركة من العمل إلى التسوّق إلى تصليح أعطال سياراتنا-  لسنا إلا كمن يسير في نومه. لا نولي اهتمامًا لما يظهر أمامنا، و نشعر على الدوام بضغوط مستمرة لإنجاز أعمالنا، وهذه الأعباء الموضوعة على عواتقنا. نعيش حياة هرمية؛ يُملي علينا رؤساؤنا في العمل ماذا يجب أن نفعل، حياة تتمحور حول كسبنا للمال أو الموت. وكل هذا لم يكن موجودًا في معظم تاريخ البشرية مُذ خُلقت. وأكثر من ذلك نجهل مصادر المياه التي نشرب والطعام الذي نأكل والمواد الموجودة في أغراضنا، لا نعرف من أين جاءت، من أنشأها وما إلى ذلك. ليس لدينا إحساس باتصالنا بالعالم أو الماضي التليد، ولا شعور بحقيقة أننا لسنا سوى حلقة صغيرة متناهية الصغر في سلسلة طويلة متناهية الطول. هذا ما شعرتُ به حينها وهو ما يتحدث عنه هذا المقطع. نحن لا ندرك أننا واقعون في شباك واقعٍ أعظم.

نيك ماكدونيل: بالحديث عن الحقائق الكبرى أو الأسرار، ماذا عن أغنية الحوت الأحدب التي ما زالت غامضة والتي ذكرتها في الكتاب؟ يدهشني أنه مع وجود جميع هذه الدراسات التي أجريت لم نعرف تفسيرًا لها. حدّثنا قليلا عن لغز أغنية الحوت الأحدب!

كارل سافينا: أي شيء في هذا العالم الحي يظل لغزًا. على سبيل المثال نحن لا نعرف حقيقةً كيف يعمل الكلوروفيل في ورقة نبات، وكيف يمتص النبات ما لا حياة فيه، ويتغذى على الضوء ويخرجه لنا شيئًا حيًا. أعني الألغاز مكدسة ومتراكمة وعميقة جدًا جدًا جدًا، منها ما هو غامض ومنها ما هو أشد غموضًا مثل لغز الحيتان الحدباء. في عام 1970م عرفنا أنها تغني -بعد غنائها بملايين السنين- بعد أن قتل الإنسان أعدادًا هائلة منها وكاد يأتي على آخرها. وعرفنا كذلك شيئًا استثنائيًا وهو أن هذه الحيتان تغني أغنية موحدة بين الجميع كل عام في كل محيطٍ في وقت واحد. في كل عام أغنية واحدة، ثم تتغير الأغنية في العام الذي يليه ويغنون بنحوٍ مختلف. لا نعرف حقيقة سبب غنائها. لأن الحيتان لا تستجيب لبعضها بالطريقة التي تفعلها الطيور. من الواضح جدًا أن أغاني الطيور توجيهية، وحين يغني طيرًا يقول “أنا هنا، أنا صاحب المكان.” لجذب أقرانه، وإبعاد منافسيه، وما إلى ذلك. أما الحيتان فلا تتصرف على هذا النحو. لا نعرف حقيقة ماذا تقول، وماذا تفعل، ولماذا تتغير الأغنية بهذه الطريقة. إلا أنها أثارت بغنائها نظام الإنسان العصبي بطريقة مذهلة فتأثّر الناس بسماعها، فعجّلت بذلك سرعة التحرّك لإنقاذ الأعداد المتبقية منها، وللنظر إليها على أنها مخلوقات حية عوضًا عن النظر إليها على أنها مكونات عائمة من المرغرين[11] أو ما شابه. إن الذي حرّكها بهذه الطريقة الغامضة التي لا نفهمها حرّكنا أيضًا بالطريقة الغامضة نفسها. فقد أبصرنا جمالًا عظيمًا وشعرنا بصلة عميقة، واستجبنا لها على هذا الأساس.

– نيك ماكدونيل: ولد في 1984م، يكتب في الرواية والصحافة والنظرية السياسية. درس الأدب في جامعة هارفارد، والعلاقات الدولية في كلية سانت أنتوني بأكسفورد. نشرت رواياته وتُرجمت إلى 22 لغة وظهرت في قوائم الكتب الأكثر مبيعًا في العالم . عُرض فيلم مقتبس من روايته الأولى، اثنا عشر، لأول مرة في مهرجان صندانس السينمائي عام 2010. التحق نيك بجيش الولايات المتحدة ومشاة البحرية، والقوات الأفغانية الخاصة، وبعثة الاتحاد الإفريقي في دارفور، والقوات الخاصة في العراق. نُشر كتاب نيك الأخير The Bodies in Person في عام 2018، وقد تحدث فيه عن الخسائر المدنية في الحروب الأمريكية. 

 

[1]  Becoming Wild

 The Crown [2]

[3]  The Council of Animals

[4]  نُشرت الرواية في 20/7/2021

[5]  The Camel Who Took A Walk

[6]  The Incredible Journey

[7]  عالِم نمساوي وأحد المؤسسين لعلم سلوك الحيوان، حاز جائزة نوبل 1973م.

[8]  عالِم أمريكي وأستاذ علم الحيوان في عدد من الجامعات. كان مديرًا لمعهد البحث في سلوك الحيوان.

[9]  عالِم أحياء أمريكي اُشتهر بعمله في مجالات التطور وعلم الحشرات وعلم البيولوجيا الاجتماعي.

[10]  Sociobiology

[11]  سمن صناعي يُصنّع من الشحوم الحيوانية أو الزيوت النباتية.

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى