حوار مع عبد الرزاق قرنح الحائز على جائزة نوبل للأدب 2021

حاورته سُشَيْلَة نَسْته


حجم الخط-+=

ترجمة: صائل البحسني

                                  

منذ هجرته إلى بريطانيا سنة ١٩٦٨م، أصبح عبد الرزاق قرنح معروفا كاتبا روائيا مهما وناقدا مراجعا للأدب الإفريقي. وُلد في زنجبار سنة ١٩٤٨م، وصادف وصول قرنح ذروة السيرجنت ببر Sargent pepper، ولشهرٍ خلى قبل أن يلقي إينوخ بوِّل خطاباته سيئة السمعة الموسومة بـ”أنهار الدم” ومع نشره أولى رواياته، استكشف قرنح موضوعة نزوح المهاجر، سائلاً: ما الذي يحصل للناس الذين هم بكل معنى جزءٌ من مكان، لكنهم لا هم يوحون بأنهم جزء من مكان ولا هم محسوبون جزءًا منه. في أوائل رواياته “ذاكرة الرحيل” (١٩٨٧)، و”درب الحجيج” (١٩٨٨) و”دوتي”(١٩٩٠) كان التركيز منصباً بادئ بدء على لا بلديّة المكان، وعلى التغيرات السياسية والاجتماعية التي خلقت تحولات ديموغرافية ضخمة في عالَم القرن العشرين المنصرم. بلغت “الفردوس”، روايته الرابعة، القائمةَ القصيرة لجائزة البوكر سنة ١٩٩٤، وتجري أحداثها في شرق أفريقيا قبل عقد من اندلاع الحرب العالمية الأولى. إنها تقدم القارئَ على عدد من القصص المختلفة والمتسابقة، قصص لا تجادل نسخ التاريخ المجمع عليه أوروبيا فقط بل تفكك النزعات القومية التي تروم بها أهدافاً لبعض الأعمال الروائية المبكرة المكتوبة بأقلام أفريقية. في حين أن روايات قرنح الأولى وعلى نحو بيِّن أكثرُ انهماما بالواقع الفيزيائي للنزوح [البشري، إذ يحل بشر محل بشر آخرين، وتستقبل أرض بشرا بعد أن ودعت حتماً آخرين] وبمنقاشة أسئلة العرق والهوية في بريطانيا، فإن رواياته الأخيرة- “تعظيم الصمت” (١٩٩٦) “عبر البحر” (٢٠٠١) تضغط بثقلٍ على رموزٍ تحمل عوالمها داخلها، في مشهد جواني مبني من قصص وذكريات ولا موثوقية الذكريات المتخيلة. قرنتْ “عبر البحر”، آخر رواية له، قصةَ طالب لجوء بقصةِ مثقف مهاجر. ففي كشفه للانقطاعات بين سرديتين للنزوح في العصر الحديث جد مختلفتين، ووضعيات هي في الكثير الغالب مدمجة في احتفاءات هادئة لمهاجرٍ حاله هو حال الإنسان العادي في القرن العشرين، فإن قرنح يبدو متحركاً نحو نطاق استكشفته بإسهابٍ أكثر أفلامٌ من قبيل فيلم “أشياء جميلة وقذرة” لإسطفان فرير(٢٠٠٢). حين ينغِّص على التلصصية -المستغرقة في تلصصها ظاهرياً- ذات النموذج الجدليّ، ألا وهونموذج المُغرِب [الغريب الأجنبيّ] ما بعد الاستعماري.

سشيلة نسته: لقد نشرتم في العشرين سنة الماضية ست روايات تتعاطى تساؤلات التاريخ، والهجرة والنجاة. وهي كتب تقطع عديد العوالم الثقافية وتغير بتردادٍ مواقعَها- سواء كان مسرح أحداثها في بريطانيا أو في شرق إفريقيا/ السواحل1 أو كلاهما. لقد غادرتم زنجبار سنة ١٩٦٨م إلا أنه يبدو أنكم ما زلتم تشتغلون على قصص وأصوات ذلك الماضي، معيدين بناء الذكريات داخل واقع الزمن الحاضر. هلَّا شرعتم [هذا الحوار] بذكر شيء عن افتتانكم الجلي بـ”الحكيْ” وبعثِ أصواتٍ من التاريخ؟

قرنح: لم يبدأ الأمر هكذا. أحسب أنه بدأ من إحساس بكوني طليقا وحرا على غير هدى. على أنه وفي خضم إرادتكِ أن تكتبي عن ذلك، فإنكِ تعودين إلى أشياء تتذكرينها. الذاكرةُ مَنْ يصبح المصدر، وموضوعَكِ، أو، لو قلنا، الأشياءُ التي تتذكرينها. إن المرء لا يتذكر دائماً بدقة، ويبدأ في استعادة أشياء ما كان أصلاً يعرف أنه يتذكرها. أحياناً هكذا فجوات تكون مشبَعة على نحو شديد الإقناع لدرجة أنها تصبح شيئا “حقيقيًا” هو على الضد من شيء “مبتنى”. وبهذا المعنى فإن القصص تستقل بحياتها الخاصة؛ تطور منطقها الخاص وحجيتها. في البداية قد يبدو الأمر وكأن هذا إلى الكذب قريب، إذ ما تفعلينه في الواقع هو إعادة بناء نفسكِ على ضوء الأشياء التي تتذكرينها.

سُشيلة نسته: حقيقةً فإن ما تشير إليه روايتكم الأولى “ذاكرة الرحيل” هو هذا. إنني أريد أن أعود إلى بداية مشواركم مع الكتابة، إلى تلك الرحلة التي ارتحلتموها من عالم إلى آخر، وأن أسألكم عما إذا قد سرَّعتْ ذكرياتُ الرحيل تلك وتجربتُكم الوصولَ إلى بريطانيا -مكانٍ سميتَه في موضع ما “الأرضَ الغريبة”- من كتابتكم لتلك الرواية الأولى. أكنتم تكتبون قبل أن تغادروا وطنكم أم أن تجربتكم في بريطانيا الستينيات دفعت بكم إلى كتابة الرواية؟

قرنح: لقد كانت بالتأكيد تجربتي في إنجلترا السببَ، لكن ذلك لا يعني أنني ما كنتُ أكتبُ قبلها، على أن ذلك لم يكن كتابة. بكلمات أخرى، ما كنتُ أفكر فيها بأنها كتابة. لقد كانت محض فعل أزاوله. لم أفكر مباشرةً أنني سأكتب. لقد كان الأمرُ مجرّدَ واقعِ أنني كنت في إنجلترا وأنني وجدت نفسي قد شرعتُ في الكتابة. إنني أفكر في “ذاكرة الرحيل” على أنها الرواية التي تعلمت من خلال كتابتها الفرق المهم بين تدوينِ أشياءٍ وبين الكتابةِ، عملية ابتناء الأفكار في شكل أدب تخييلي.

سُشيلة نسته: هذا أمر يثير الاهتمام لأن صدى ذاك الكتاب يرجّع كما أرى في عملكم اللاحق؛ صغائر الأشياء التي تظهر لاحقاً ولو في كتابٍ مثل “الفردوس”، روايتكم الرابعة. هل ترون أيّ تواشجات بين هذين العملين؟ تتعاطى رواية “الفردوس” بوضوحٍ زمناً مختلفاً – يجري في بلاد السواحل بين عامي ١٨٩٠م و١٩١٤م في حين تجري أحداث “ذاكرة الرحيل”، بعد تلك المدة بزمن، في الستينيات من القرن العشرين- لكن يبدو أنها ثمة تشابهات في المزاج. أثمة أي رابط بين هذين الكتابين؟

قرنح: لدى الكتّاب دوماً وصلةُ أرضٍ صغيرة جداً يقيمون عليها عملهم. يغطونها المرة تلو الأخرى من مواضع مختلفة قليلاً. ولا يفعلون هذا عن اختيار. بيد أن هذه الأشياء التي تحوز انتباهنا، وتقلقنا لا تني تعود وتتكرر. حتى لو كنت تظن أنك تستطيع كبحها وكبتها فإن هذي الشواغل أو الهموم تعاود الظهور على السطح. وهي تمثلُ الطرائق التي يفكر بنحوها الكاتبُوأحياناً حتى، تفكيرَه[المتمثِّلَ] من نحوٍ واحد. وعليه فإنه دوماً يوجد هذا الشغل اللامنجَز ، مواصلاً حضوره من كتاب إلى آخر.

سُشيلة نسته: أظن أن جين ريس قالت عند حديثها عن رواياتها إن “أربع غرف وعلّية هي الحياةُ عينُها”. لا أقول إن خبرتها النزوحَ امرأةً خلاسية بيضاء من دومِنِكا متروكة وطليقة في لندن وباريس زمن الثلاثينيات والأربعينيات هي -بأي نحو- ذات خبرتكم، لكن هل من معنى يخلق جميع الكتَّاب من خلاله “غرفاً” بعينها أو فضاءً تخييلياً داخل أعمالهم الروائية حيث يبقون مشغولين به؟

قرنح: نعم، أكيد. خصوصاً، في الحالة هذه، إن الأمورَ التي حازت اهتمامي في “ذاكرة الرحيل” كانت أمورا تتعلق بالكبار، إن كنتِ تعلمين ما أقصد. لم أكن أكتب فقط من موقع خبرة شخصية. كنت أفكر في المكان والمجتمع وخبرة العيش هناك. فليس من قبيل المفاجأة أن تلك الأفكار ستستمر؛ في حين إنك لو كنتِ تكتبين ابتداءً من موقع خبرة سير ذاتية، فإنه من الممكن أن تغدو مادتُكِ شيئا ترغبين في أن تنبذيه وراءكِ ظهريا، لا شيئا تريدين أن تظلي تتعاملين معه.

سُشيلة نسته: شمل الزمن الذي قضيتموه في بريطانيا حقبة مهمة من التاريخ السياسي والثقافي إذ إن أواخر الستينيات تصادفت مع ذروة  اينوخ بول وخطاباته سيئة السمعة والمعادية للأجانب المسماة “أنهار دم”. التركيز على قضايا اللجوء واللاجئين، موضوع عولج في رواية “عبر البحر”. كونكم كنتم جزءاً من هذا التاريخ المكتوب عن بعضٍ من هذه الأمور من منظور المنبوذ اللامنتمي في رواية “درب الحجيج” وفي رواية “دوتي”، هل لكم أن تقولوا إن الأمور قد تغيرت؟ أو إن السياسيين اليوم ما زالوا يتحدثون عن ذات الأمور- العرق، والهجرة، والوطنية العمياء- لكن معبراً عنها بألفاظ مختلفة ومقنَّعةً تحت مسميات مختلفة؟

قرنح: الأمور تغيرت، لكن لا يعني ذلك بالضرورة أنها تحسّنت، وبذلك لا أقصد أن كل ما كان يحصل من بذاءات في الشوارع ما زال يحصل بذات الطريقة اليوم. لكن الجميع تغيروا. بعض الأمور ازدادت اتضاحاً، وبعضها ازداد صعوبةً كذلك. وعلى القدر الذي يهم غير الأوروبيين، فقد صارت العامة أكثر “تحضراً”: أيا كان الذي يفكرون فيه، فقد تعلموا ألا يجبهوا به الآخرين مباشرةً فيكونون على نحو صريح مسيئين أو ما إلى ذلك. يوجد إحساس حقيقي حالياً بأنه من الممكن للإنسان أن يعيش في مجتمع حيث يكون للناس حقوق، حق في المعاملة باحترام كذلك الحقوق القانونية. لذا في هذا الخصوص، فقد تغيرت الأمور. لكن فيما يتعلق بالحال الذي عليه العالم اليوم، فلستُ على كبيرِ يقينٍ. وإلا فسأقول أن القوى الاستعمارية الحالية الفاعلة في الشرق الأوسط سيكون صعباً عليها أن تستمر فيما تفعله.

سشيلة نسته: وهل سيتكرر ظهور الصور النمطية ذاتها على الدوام؟

قرنح: نعم. في هذا الجانب يبدو لي أن الإمبراطورية يقيناً لم تندثر. ما زالت تشكل نظرةً إلى العالم مُطَمْئِنَةً ومريحةً. وما زال يدهشني أن الطريقة التي يتحدث بها الناس ويفكرون حول بريطانيا، هي بنحو ما منفصلة عن الطريقة التي يتعاملون بها مع باقي العالم.

سُشيلة نسته: تعالج بعض من رواياتكم الأولى، التي تجري أساساً أحداثها لحد كبير في بريطانيا، بوضوح قضايا العرق والهجرة ومحاولة كسر الصور النمطية الاختزالية، بالأحرى مثل الذي كان “سام سِلڨن” يصنعه زمنَ الخمسينيات في روايته الكلاسيكية Lonely  Londoners، ففي رواية “دوتي” تركزون على العناصر الإيجابية للعرق الهجين وفي “درب الحجيج” الشخصيةُ الرئيسة “داود” هي غريبُ يحاول مساءلة نماذج وأساليب النجاة في أرض أجنبية. إنكم لم تعالجوا تماماً ذلك النوع من الموضوعات بالطريقة نفسها في أعمالكم اللاحقة” تعظيم الصمت” و”عبر البحر”. هل تشعرون بأنكم قد قلتم كفايتكم حول ذاك النوع من الخبرة، أو أنها شيء شغلكم في حينه؟

قرنح: إنها لمقارنة مُطرية… سام سلڨن. إن ذلك أمرٌ ما انتهيت منه. لقد كان اهتمامي، في كل الكتب التي كتبتها، مأخوذًا دائما بقضية الأشخاص المُسائلين “هوياتهم”. أفترضُ عند نقطة واحدة أنني فكرتُ أن هذا طرح مكثَّف لحال الناس الذين نزحوا من أرضهم الأصلية. لطالما كنت مهتماً باستكشاف فكرة أن الناس يعيدون صنع ذواتهم وتشكيلها. في الكتاب الأول، بدا هذا أنه ما كنت مهتماً به أكثر من أي شيء آخر. إن الناس يأتون من مكان سحيق إلى مكان مثل أوروبا فيضطرون أن يتغيروا أو يتحولوا. ليس أمامهم خيار آخر؛ إنك لا تستطيعين أن تظلي كما أنتِ. ثم وبعد عدة سنوات ذهبت في رحلة… لقد كنت بعيداً عن بلادي مدة طويلة، بسبب كل القيود السياسية والمشاكل وما إلى ذلك. أظن أن الأمر كان عودة بعد كل ذلك الزمن الذي انقضى لدرجة أن انتباهي انقلب خلالها. ولم يحصل الأمر فوراً. كانت المرة الأولى التي عدت فيها إلى “الوطن” في سنة ١٩٨٤م ولم أكن قد نشرت أي شيء مطلقاً. لذا ما كان الأمر أني فكرت فوراً بعد عودتي “رباه، علي أن أفكر مرة ثانية”، لكن في الوقت الذي كتبت فيه “الفردوس” -بعد ست سنوات أو ما يقارب ذلك- عدت مرة أخرى وترحلتُ هنا وهناك وقتا أطول. وعندما عدت من تلك الرحلة كتبتُ “الفردوس”. أتصورُ أنه من تلك اللحظة فصاعدا تملكني الاهتمام بوضع الإنسان المهاجر، وعلى نحو مختلف. لكن في السابق حين كانت إنجلترا هي الواجهة -في الأقل، في “درب الحجيجو”دوتّي”- في ما تلى من أعمال، فإن الواجهة قد تبدلتْ. تصبح مشهداً داخلياً حيث لا يهم كثيراً أين أنت لتستمر في الداخل المساءلات. لا يوحي العالم الخارجي بصلة، لكنه ليس بالتمام مركزياً جداً. لذا فإنه الإحساسُ بأولائك الذين يحملون عوالمهم في داخلهم ما حاز اهتمامي. وليس الأمر أني فكرت “حسناً، ذاك الموضوع السابق انتهى أمره”، لكن العدسة انقلبت. ومع ذلك، كما تعلمين، في كل من “تعظيم الصمت” و”عبر البحر” لا تزالين تجدين شخوصا في حركة مستمرة رائحة غادية فيما يتعلق بالطرق والوسائل التي ترتحل بها قصصهم.

سُشيلة نسته: تتحدث إحدى الشخصيات في رواية “تعظيم الصمت” عن إنجلترا بانها “حب مخيَّب”.  دائما ما صدمتني تلك العبارة بما هي وعلى نحو مهولٍ استحضارٌ لوضع الإنسان المهاجر.

قرنح: نعم. وهو فكرةٌ لا تزال تعود وتتكرر-على الأقل في الكتب اللاحقة. أظل أفكر أن الشعور الكامن في أساس معنى الانتزاع هو الخيبة. يصف “الحب المخيب” هذا الشعور لأنه ليس بسهولة سؤال صحوة من توهم وانخداعٍ بإنجلترا. هو أيضاً خيبة في النفس، خيبة في كيفية مقدرة الإنسان النازح على التكيف مع خبرة نزوحه. إن الأمر متعلق بالرغبات المخيَّبة بقدر كونه إحساسا بالواقع المخيَّب.

سُشيلة نسته: لقد أشرتم سابقاً إلى أن قصص الهجرة أو النزوح هي إحدى كبريات قصص زماننا. أريد أن أسألكم عما إذا كنتم تعتقدون أن هذه القصة بعينها، والتي كانت انشغالاً بقصص أخرى كثيرة في نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين، هي حقاً تمامُ “قصة زماننا” الآن أكثر مما كانت في أي وقت مضى؟ ألا  تعتقد أن السرديات والقصص لطالما ارتحلت، وعبرت عوالم ولو أن الناس لم يلحظوا إمكانية هكذا عبور؟

قرنح: إنّ كليّة الحركة في العالم خلال القرن الأخير انقلب بالكامل ثقلاً واتجاهاً. إذا طالعتِ القرن الذي سبقه، وجدتِ أن المجموع الكلي يفيد بأن ملايين من الناس تركوا أوروبا راحلين إلى مكان آخر. يذهبون ليتعرفوا العوالم الأخرى ثم يأتون معهم بأنباء عن العالم. بالطبع كانوا يفعلون ذلك من خلال الإمبراطورية والنزعة التوسعية. فما تفكر به الثقافات الاستعماريةوشعوبها حول ذلك الذي يروونه ليس مهماً لأن التشديد والتركيز كان على أوروبا، على الغرب. وعليه فإن ما يعرف بـ”الغرب” يؤسس لمعرفة، ولا يهم ما يظن هؤلاء “الآخرون” أنهم يعرفونه. ثمت حركة ملحوظة أكثر بكثير الآن، من “الخارج” إلى “أوروبا”. لقد خلق هذا الحاجة إلى أن نصغي إلى قصص هؤلاء الناس. وإذ كانت في السابق القصص تُحكى عنهم، الآن يجب أن يُصغى إلى قصصهم هم. إنهم هنا؛ جيرانكم، يتعاطون المخدرات في شوارعكم أو يعملون في مستشفياتكم. لذا فإن “قصة زماننا” لا يمكنها أن تظل خاضعة لمعايير نوع متحكَّمٍ به من السرديات. لقد انفلتت السردية من أيدي أولئك الذين كانوا يتحكمون بها في السابق. ولقد زعزعت هذه القصص الجديدة التصورات السابقة.

سُشيلة نسته: يوجد العديد من الكتّاب اليوم يحاولون أن يخترقوا بكتابتهم هذه “العوالم المتحكم بها” كما لتوِّكم أسميتموها، الأمر الذي هيمنت عليه دائما بالأحرى أنساقُ الحكم الضيقة الأفق أو قصيرة النظر. في الماضي، كانت الكتب في الغالب تُنتَجُ وتُكتَبُ في مكانٍ واحد، في حين أنها تبدو الآن تُستمد من أماكن عدة، من تأثيرات وثقافات مختلفة- على أن تلك الكثرة كانت موجودة أيضاً، وإن لم يحتفى بها، في ما مضى من القرون.

قرنح: أكيد. إنها لعملية دؤوبة. ومع ذلك فمن أبرز الأمور التي تميزها هي أننا ندرك على الدوام ما أضأل معرفتنا وما أكثر الذي أمامنا كي نعرفه. والأمر أيضاً يجعلنا ندرك ما أكثر مصادر المعارف الأخرى المتاحة والممكنة. في حين أنه بدون تلك الضروب من الأصوات المتعالية الآتية من الجهات الأخرى، فإن الأمور غالباً ما تبدو بعيدة عن المتناول ومستحيل فهمها، أو في الأقل فهمها بأي نوع من طرائق حاذقة ومركّبة. ثم تقرئين أشياء كتبها آخرون فإذا بها تمنحك مفتاح الوصول -حتى وإن كان الواحد منهم يسير الفهم- إلى طرائق تفكيرٍ وإدراكٍ مختلفة. بذلك المعنى يصبح العالم فعلاً مكاناً أصغر حيث يسعنا أن نتواصل؛ مكاناً قابلاً للفهم أكثر فأكثر.

سُشيلة نسته: بصرف النظر عن كونكم كاتباً روائياً ناجحاً، فإنك معروف ناقدا أدبيا، وعلى وجه التحديد، صاحبَ شروح وتعاليق على كتابات إفريقية. في أحد مقالاتك النقدية حول رموز أدبية من مثل أتشيبي أو نْگُوگي، تحدثتم عن مرحلة مبكرة في الأدب الإفريقي سبقتْ عملكم، مرحلة ركزتْ على أسئلة القومية وتصفية الاستعمار وكان شاغلها الشاغل تصوُّرَ عالم ما قبل استعماريّ لا تشوبه شائبة. إنني ههنا واغلةٌ في تيسير قضايا شديدة التركيب والتعقيد، لكن لماذا نقدتم ذلك النوع من الآراء؟

قرنح: إنني حقيقةً لا أقصد أن أكون منتقِداً إذ أتخذ موقفاً معيناً يقول بوجود شيءٍ غير ناضج بخصوص تصوُّرِ مجتمع ما قبل الاستعمار مجتمعاً ليس مضطرباً إلا فيما يتعلق بالجزئيات، لكن من زاوية ما هو أساسي فإنه على ما يرام. بوسعكِ أن تفهمي سبب حصول ذلك التصور-قبل الاستقلال بقليل أو بعده بقليل- في وجه هجمة استعمارية دامت قرونا، وفي أعقاب هجمة التهكم تلك، هجمةِ الاحتقار. غير أن الاستقلال كان أيضاً حاسماً لهذا الأمر ومصيريّ. فقد كانت توجد رغبة في روحٍ تقدمية تقول “على هذا النحو نتحد”، “هكذا نجتمع على احترام أنفسنا”. وبعد ذلك تأتي هذه الأعمال الأدبية القوية ولو أنها مع ذلك غير ناضجة، كما يبدو لي. هي كذلك، لأنها تستيسر التعقيدَ الحقيقي ومصاعب التداولات والنقاشات، التي ما كان لها غير أن تحصل، في ما كان- في حالات كثيرة- مجتمعات غير مستقرة استقراراً يمكنها من أن تعيش جنباً إلى جنب. وليس في وسعك أن تضعي يدك على أي شيء أكثر تعقيدا من بلاد السواحل حيث ترعرعتُ. لذا فقد فكرتُ: “ما هذا بالأمر الصحيح”. ومن ناحية أخرى فإن فكرة تجانس مجتمع ما قبل الاستعمار تلِج المشهدَ نافعةً جداً سياسياً -لقوميّ مُحدث أو للحكومات الإفريقية الجديدة التي تقول “من ليس مثلنا ولا على شاكلتنا فهو غريب دخيل مقارنةً بالمواطن الأصيل والصادق في سياسيته. استخدمت العديد من المجتمعات الإفريقية هذا وسيلةً للنفي والتعذيب، في أوغندا على سبيل المثال، أيام عيدي أمين، وفي زنجبار. لذا فإن فكرة “من ينتمي لنايصبح واحد منا” شُكِّلَ منها مسألة جوهرانية essentialist. إذ يُشكَّل من “الشخص” نوعٌ معينٌ من “إفريقي” فحين تسأل “من الإفريقي؟” تجد الجواب إن الأفريقي هو “الإنسان الذي يبدو مظهرياً مثلي”. لا الإنسان الذي له بعض حقوق المواطن المرتبطة بالأرض التي هو فيها. فهذان الأمران هما ما ضايقني في بعض من هذه الأعمال الروائية.

سُشيلة سنته: استمرت هذه الأعمال جرّاء الطريقة الفجّة لتقسيماتها حائلة بين الناس؟

قرنح: نعم. جَعْلُ الأمر يبدو أنّ من الممكن لمواطنٍ أنْ يوصفَ استناداً إلى مظهره أو أصوله المُدعاة أو في بعض الحالات المنحولة. وحتى لو لم تدَّعِ هذه الأصل، فأتت تُعطى إياه أردته أم لم ترده. لقد أحسست بأنه كان من الضروري في كتاب مثل “الفردوس” أن أعقِّد الرؤيةَ بقدْرٍ. فكرتُ أنه من الضروري أن أجرب وأن أكتب وأن أرى كيف سيكون الأمر لو أنكَ صورتَ مجتمعاً كان في الواقع مجزأً. مجزأ لا يعني أنه معطل. إنه يعني فقط أنه كان يعمل بطريقة مختلفة. وهكذا فإنني قد أردت أن أكتب حول عالمٍ دائما ما كان مجزأً لكنه ما زال  متمكّنًا من امتلاك شيء يقاربُ الحياة الاجتماعيةوالمدنية.

سشيلة نسته: تصوِّرون في “الفردوس” وسائلَ وطرقاً من خلالها تخلق الجماعات الهجينة عرقياً، والتي تعيش داخل ذلك المجتمع، صورَها النمطية عن الآخرين. لذا فأنت تفتح – من الجهتين، من الداخل والخارج- المعارضات الاختزالية التي تحصل بين البيض والسود، المستعمِرين والمستعمَرين، المسلمين والمسيحيين، وكلُّ هذه الأساليب الحادة نوعا ما والاختزالية غالباً في تصنيف الناس.

قرنح: نعم. بقولي هذا لست أحاول أن ألمح إلى أن ما كان موجوداً قبل ذلك كان عظيماً. كل ما في الأم أنه كان مقبولاً. حقيقة، إن وجد شيءٌ في “الفردوس” فهو أنني حاولت أن أشير إلى أنَّ فعلَ توازنٍ معقَّداً كهذا بين مجتمعات مختلفة -وهو السبب الحقيقي في أن منطقة السواحل كانت جد هشة حين أتى الاستعمار الأوروبي- أساسُه هو أن المجتمع كان أصلاً مشدوداً على آخره. كل أنواع الفظاعات وجدت في داخله والتي ما كان في وسعه أن يحصيها ولو لنفسه. القسوة على النساء، القسوة على الأطفال، القسوة على من تراه ضعيفاً من الناس، كما هو حال كل مجتمع. فما الغايةُ هنا أن أُغلظ على جماعة واحدة بعينها. إنني ما أردت بوضوح أن أقول “انظروا، كان الأمر على ما يرام قبل أن نرى المستعمر الأوروبي” بل أن أقول بدلاً من ذلك “انظروا، ما أصعب ما كانت عليه بلادنا لتغدو على ما يرام، وانظروا إلى ما كان عليها أن تقوم به لتكون على ما يرام.

سشيلة نسته: إذًا فأنتم أردتم أساسا أن تفتحوا الإرث المشتبك المتناقض لمجمل السياق التاريخي لبلاد السواحل؟

قرنح: صدقتِ. إذا لم تظهري تعقيد ما كان سابقاً، فإنكِ لن تقفي على صعيدٍ ترينَ منه تعقيدَ ما هو كائن اليوم.

سُشيلة نسته: كونك كاتباً وناقداً فقد قرأتم لا شك بعض الكتَّاب وتأثرتم بهم. هل من أحد منهم قرأتم على وجه الخصوص أعماله في زمنِ تشكلكم وتكوينكم وأثر فيكم؟ يبدو أن ديريك والكوت واحدٌ منهم. فالمقالة التي كتبتموها مؤخراً لمجلة “عوالم مائجة”، تحت عنوان “فكرة من الماضي” تقترب بإحساس بالتاريخ مشابهٍ، من والكوت؛ فكرة الأدب الثوري الحقيقي لا أدب “الاتهام واليأس”. هل تريدون أن تقولوا شيئا عن دور الأدب سياسةً أو وظيفةَ الأدب في سياقٍ ما بعد استعماري حديث؟

قرنح: من السهل جداً على الكتابة أن تغدو نوعا من “فأس” يمكن استخدامها بقسوة في أوقاتٍ لإسكات هذا أو لجعل ذاك يتكلم. كلما طلب مني الناس أن أتكلم في هذا الشأن؛ قُلتُ “أنا لا أمثل سوى نفسي”. إنني لا أتكلم لأجل أي أحد آخر. غير أنه سهل جداً على الكتابة أن تكون للكلام في سبيل آخرين، خصوصاً هذا، فإذا شعر الناس بظلم وقع عليهم، وأن شيء يجب أن يقال وأنها توجد طريقة يجب أن يقال وفقها. أحسبُ أن الكتابة تؤدي الوظيفة المعاكسة. يجب أن تقول إنه ما من طريقة مُيسّرة ومباشرة لمعالجة مع هذا أو ذاك. يجب أن تتعلق الكتابة بما لا يمكن أن يقال ويعالَج بسهولة. و والكوت كاتبٌ يشكل تحدياً كبيراً إذ يُطلعنا على هذا الأمر. والأهم من ذلك، أنه يبين أنه لا يسعكَ أن تختزل إنسانية الناس بأن تضعهم بسهولة على هذا الجانب أو ذاك، أسود أو أبيض أو عوانٌ في موضع ما بين ذلك. تعجبني كثيراً فكرة أنه “كاتب عالمي”، كاتبٌ يرى نفسه منتمياً إلى عالم أوسع. إنه ليس نسيج وحده، فهو يتبع ضمن تقليدٍ عظيم لغيره فهذي الأمور ليست جديدة. دائما ما وجدتْ في الماضي هكذا تراتبيات، وما قُصد بـ”العالم” كان أوروبا. والآن نعرف أن الأمر مختلف. فالعالم الذي كان يتحدث عنه والكوت، أو العالم الذي أفكر به أنا أو حتى كتّاب مثل سلمان رشدي أو كاريل فيليبس وآخرون، هو ليس بذلك “العالم”. إن عالم ت. س. إليوت المرتبط بذلك “التقليد” كما قصد إليوت به وقتها- وهو كان ابن عصره، حتى لا أظلمه- كان عالماً مرتبطاً بالتقليد الأوروبي. والآن لدينا كتَّاب يأتون من عالم أوسع. أنا جزء منه.

سُشيلة نسته: حسناً، وكما قال الكاتب الهندي مُلْك راج أنَنْد ذاتَ مرة، وتبنى سلمان رشدي فكرة مشابهة في مجموعته “هارون وبحر الحكايات”(١٩٩٠)، فإن أعظم قصص العالم استمدت دائماً من صهريج ضخم، “محيط القصص”. دائما ما تنوقلت هذي القصص فعبرت العالم خالقةً وشائجَ وتماثلات.

قرنح: بالتأكيد.

سُشيلة نسته: سؤال أخير متعلق بتلقي منجَزكم الأدبي. بلغتم برواية “الفردوس” القائمة القصيرة لجائزة البوكر سنة ١٩٩٤، يوجد انقسام مثير للاهتمام حقاً بين النقاد الذين تناولوا روايتكم بنوعٍ من الأسلوب التلصصيالمسترق للنظر على أنها شكلاً للإغراب ما بعد الاستعماري”postcolonial exotic ، وبين الذين قرأوها بتمعن. إذا طالع أحد المراجعات لأعمالكم قبل بلوغها قائمة البوكر، فإن رواياتكم قد وضعت ضمن أنواع معينة من فئات أخرى يمكن توقعها. لقد تساءلتُ عما إذا كنتم تظنون أن لثقافة الفوز بالجوائز في عالم الأدب اليوم أثر بارز على عادات القراءة أو أن الأمر بوضوح أن الناس أضحوا أكثر انفتاحا فيما يقرأون؟

قرنح: في ظني أن الجوائز تخلق فرقاً. الفرق الأول هو أن كتابك يُراجع أكثر من ذي قبل وعلى نطاق أوسع، ولكن على نحو مختلف أيضاً. إنه لا يُراجع على أنه كتابةٌ في جنس أدبي من نوع ما. وعليه تجد لك قرَّاءاً جدَداً وذلك ما يهم. لست أقول إن الأمر يحصل فوراً. لكن، في الواقع، الأمر يهم لأنه ما أن يكون لعملك قراءاً جدداً فهو يُقرأ من قبل مراجعين مختلفين فيُتناول بذلك ويُناقَش من جهات مختلفة ومتنوعة.

سُشيلة نسته: وذلك، إن كان لي أن أقول، سببُ أن مجلات من مثل “واسَفيري” مهمة جداً، فالكثير من الكتاب لا يُرى نتاجهم ولا يُراجع على نحو جدّي إلى أن يحدثوا ذلك الصدع في جدار الصمت فيُؤخذون على محمل الجد في عالم الأدب الأوسع. من الممكن أن بعضا من هؤلاء الكتاب مستوى أعمالهم ليس بالجيد جداً، وهذا كل ما في الأمر. دائما ما كانت الحال هكذا.

قرنح: إن ما تقولينه صحيحٌ تماماً. لا يزال ثمت الكثير من الكتّاب الذين لا يلقون الاهتمام الذي يستحقونه. وبصدق، فإنني أعتقد أن كل كاتب على الأرجح يشعر بهذا في مرحلة ما وبدرجة معينة. والحل هو  أن تواصل وحسب؛ إنكِ لا تستطيعين أن تكتبي وتقلقي بشأن هذه الأشياء.

 

1 شرق أفريقيا، أو السواحل وما زالت عند أهلها تسمى “السواحل” ولغتها “السواحلية”. تشمل أجزاء من جنوب الصومال وكينيا وأرخبيل زنجبار وبر تنجانيقا وأجزاء من أوغندا والكونغو.

سُشَيْلة نَسته: ناقدة ومذيعة من أصل هندي، محررة مؤسسة في مجلة “واسفيري1” وأكاديمية بارزة. تدرس الأدب حاليا في جامعة المملكة المتحدة المفتوحة، ولها أعمال عديدة منشورة مجالها الكتابة الأدبية في القرن العشرين.

1 واسَفيري تعني في اللغة السواحلية “المسافرون”، جمع كلمة “مْسَفيري” التي تعني “المسافر”. (المترجم

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى