غايكوب – أمل الجبرين

اليين واليانغ


حجم الخط-+=

إيمان العزوزي

الأعمال تعرف بعناوينها كما يعرف الأشخاص بألقابهم، والعنوان من المفترض أن يكون مفتاحا للعمل كما هو اللقب مفتاح لمعرفة من يكون الشخص بنحوٍ عام دون تفصيل أو دون كشف مبكر لما يمكن أن يمنحك من قيم ومعرفة، لكن أول ما يصادفك في هذا العمل عنوانه اللغز الذي يبدو كلمة غريبة عن قاموسنا المتداول “غايكوب” لكنها لا تشكل مفتاحا للعمل بل العكس العمل يشكل مفتاحا للعنوان لن نفهم العنوان ومقصوده إلا لو قرأنا العمل وأتممناه مستوعبين قصد الكاتبة. غايكوب هذه الكلمة ساحرة حتى لو لم تكن مفتاحا أوليا للعمل فهي بلا شك ستثير أهم ما يرضي الكاتبة وغرورها  وربما فقط رغبتها إن احتفظنا بحسن النية ستثير الكلمة السؤال.. ما هو غايكوب هذا؟

يتكون العمل من أربعة أبواب، الجهات الأربع هي العناصر الأربعة الأرض حين تصبح مربعة بزوايا حادة تبتلع السيولة والمرونة هناك شد عصبي في الرواية ستحتاج للتنفس أكثر من مرة الأمر أشبه بتسلق جبل وضغط الارتفاع يسبب لك طنينا مزعجا يصم آذانك لكن القمة تبدو شهية والقاع يبدو ضبابيا ونحن لم نرتكز بعد على أرض صلبة لا مجال للرجوع للخلف متى صلب الجندي يعقوب في مكانه سنصلب نحن أيضا ننتظر مصيره ومصيرنا، يبدو يعقوب في اسمه شيئا مألوفا، تسلل يعقوب من عقوبته بسلاسة متى فهم الوضع واتخذ شكل القردة الثلاثة للطاعة العمياء وهو ليس كأبيه بدايةً لأزمة الهوية التي تتصاعد لتشمل اللا أحد، حين كنت أقرأ لبيسوا وكيف تجاوز ألمه وجحيمه الخاص بخلقه للأنداد حين كنت أقرأ سعيه ليوضح أن الحقيقة لا يملكها أحدهم بل تضمهم كلهم وهي حقيقة رمزية تعكس حقائق كونية لم أدرك ساعتها أني بقليل من الحظ سأقرا عملا يتقاطع مع وصف بيسوا في غائيته ويختلف معه في الوسيلة، فغايكوب عمل يبحث عن هوية تتجاوز فكرة المكان والزمان فكرة تحمل تدميرا ذاتيا خلاقا هناك تعاطي مختلف لأزمة الهوية بهذه الرواية تبدأ بالباب الأول مفجرة الوضع منذ البداية أنا لست أحدا ممن يحيط بي لست أبي البدوي الذي يعكس ما تتصف به البداوة من عنف الصحراء وتقاليدها الصارمة والصفات الاعتيادية المتداولة لرجال الصحراء من روح أبية وعاطفة مدفونة وليس المكان هنا سوى رمزية للوطن كله، أم الخيل الصحراء وما يمكن للصحراء أن تعطي ومحدودية هذا العطاء أم الخيل الأم الوطن الملجأ المكان حيث نعود قسرا رغما عنا الانتماء وكأي خيمة علينا أن نضع الوتد أما ثوبها فقد يذهب بعيدا ليغطينا وهذا ما سيحدث للمكان بالرواية سندق الوتد في أم الخيل ومنها ستمتد الخيمة لكل الجهات شرقا مع عائد ولن يخلو الأمر من بعد سياسي واجتماعي يحمل في طياته اسقاطات مهمة وأمل أجادت اختيار الأسماء ليكون لها رمزية ودلالة لـ”بازل” التي سنحتاج لإعادة ترتيبها مع النهاية، مع خالد الروائي الذي سيمد الخيمة لبلاد المغرب مع ليمن هادي التي ستهجر قسرا من عائلتها ليتزوجها رجل من الضفة الأخرى الجنة المفقودة التي طالما تغنينا بها وهي ليست لنا سيأخذها مزهوا بعيونها الخضراء لتبتعد عنه متى عرفت هويتها الحقيقية وفي هذا كان مقتلها الهذه الدرجة البحث عن الهوية لعبة خطرة، سنعرف ذلك مع الأستاذ قاسم العقل الرجل الذي ربما عرف أكثر مما يجب أو خلق في زمن غير زمانه زمن اختلطت فيه القمة بالحضيض قاسم العراق منبت الكلمة ملتقى الأديان  الذي ستجمعه الصدفة ببلقيس اليمنية لتتحد البلاد ويحمل اتحادها أزمة هوية، أيضا لا شيء هنا سهل اكتشافه كل شيء مرهون بالزمن وبتأثيرات وعوامل تعرية خارجية هذا الاتحاد سيأتي من يقضي عليه في لحظة لأن ما هو خارج هذه التوليفة التي تعيش بمفردها يرفض هذا التعايش القاسي على عقل متدني، الأستاذ قاسم الذي أخذ من قلم أمل حظا وفيرا ليس مجرد شخصية متهالكة على كرسي تنتظر خلاصها بل كان محفزا لظهور شخصيات أخرى كالصغيرة أغابي المحبة التي قاومت العنف لتفرض اسمها يضم الجميع لكنها فشلت واختارت طريق الجنة كما كان لقاسم دور أكبر في تعليم يعقوب وما سوف يخرج من يعقوب بعد حدوث الصدمة، من البداية عانى يعقوب من جفاء ما نحو ذاته لم يكتفي بيعقوب كذات رغب في سرقة حيوات الآخرين أحب حياة عائد البنغالي ذي الصوت الجميل، وجد في بساطة غرفته ومأكله وعزلته ملاذه، والتصق بتاريخه وتاريخ بلاده لكنه فزع من هذا كله فدخل بيت الأمير فلم يجد في الترف أمرا يجلب له السعادة كما هو متداول بين أقرانه، وبحث عن الحب ولم يجده في أم متوفية وخالة تجري وراء مصيرها وطفلة حاول خالد صديقه أن يفرضها عليه، كان بحاجة للحب ليكتشف ذاته ولم يجد هذا المحفز أيضا فبحث عن ذاته في مرآة تكبره وفي ملابس لا تناسب بيئته لكنها ناسبت مزاجه وتطلعاته والتصق بالدكتور قاسم وكتبه وعالمه وحسبَ اهتمامه اهتمام أب لابنه ومتى التحق بالعسكرية ترك له ميراثه من والده .

شكّل المعسكر صدمة ليعقوب رغم كل الزغاريد التي رافقت قدومه وصاحبه خالد للمعسكر إلا أن ذاته خذلته بهذا المكان وتفجر الخذلان ذاتا ثانية أو بعدا آخر أو بنحوٍ أكثر دقة غاية. أجادت أمل رقصة التويست فغيرت مجال تفكيرنا كله نحو جهة ثانية فلو كانت الرواية الكلاسيكية تعرف ذروة ما فمع أمل كانت الذروة رقصة تويست عنيفة فكيف من يعقوب تخرج غاية أنثى كاملة الأنوثة نوع من اليين واليانغ الأبيض والأسود مع احتياج كل منهما للآخر الضعف والقوة الكمال واللا كمال  مع اختلاف ترتيب الأشياء هنا حسب رؤية الكاتبة، هل كان على يعقوب أن يخرج من كهفه ليرى الشمس فتظهر حقيقته؟ أم هل كان عليه أن يتجاوز تلك الأشباح التي تسكنه في أزمة اللا أحد؟ والظلال ذات الظلال  ليدرك أن ذاته تجمع من الذوات ما يحتمل خلقا جديدا وكان الخلق أنثى التي سعت برغم كل العراقيل أن تلج عالما جديدا وهذه المرة أيضا رفقة الاستاذ قاسم فتبدع الغاية غاية يعقوب في العلم وتتجاوز الأمور حدها الأقصى لتدخل غاية يعقوب في غايات دول ولعبة جيوسياسية مفرطة في السريالية مفرطة في العبث مفرطة في ديستوبيا لا نبتعد عنها حقيقة  تتزامن مع تعب عقل وذاكرة قاسم بمرض الزهايمر فتتحول مرآة غاية/ يعقوب وقد حان الوقت لنفهم أنهما يشكلان غايكوب تتحول المرآة لضباب تنعدم فيه الرؤية تماما ويختلط السواد بالبياض مشكلين لونا رماديا غير مفهوم وتتعب الذات من البحث عن هويتها تسلم مقاليد البحث للتقنية وللفهم القاصر للمجموع فقاسم انتهى ومع نهاية العقل ينتهي التاريخ وتعربد التقنية مثل قائد جديد يحصد كل شيء في طريقه ويتحول يعقوب من جديد لأمير حرب لأن الجميع أراده كذلك وبهذه الصيغة يعبث من جديد بالهوية ويصادف سارة التي ستلد يوسف وهذا الأخير سيهمل ما يحدث خلفه من عبث ويتجه إلى القدس الطريق الأول والأخير يوسف بن يعقوب الذي سيعيد لهذا الأخير بصره وبصيرته ليستيقظ يعقوب بمكان وزمان مغايرين ويكتشف حقيقة أن أزمة الهوية تحتاج لأكثر من ضربة شمس لتعالج.. وأن اللا أحد ستصبح الجميع وهذا الجمع يحتمل بدوره شكوكا مغايرة ومن سيحمل لهذا الشك بصيرته ومن يحمل الإجابات أهو الإمام سعد أم عائد أم خالد أم الأمير أم  الرقيب عائض المرقي  أم هو قاسم الحر الاشتراكي أم أن الإجابة لا تقتصر على أحد بل تحتاجهم جميعا؟ هل كان يعقوب سيكون أفضل حالا لو عاش منعزلا يحمل إجابته في عزلته؟ يعقوب انتصر بجنونه على العالم كله  انتصر على ذواته كلها فهو بجنونه بلغ جوهر الحقيقة ومتى بلغ الإنسان جوهر الحقيقة وتعذر على البقية فهم الحقيقة سيتهم حتما بالجنون، فالجنون مفهوم ومثل جميع المفاهيم فهي ديمقراطية تحتاج فقط للأغلبية لتصمد حقائقَ مصطنعة ولعل هؤلاء من قصدتهم أمل حين أعفتهم من الإهداء وخصصته للأحياء فقط والأحياء يتسللون من الأغلبية ليشملهم وصف مغاير تماما اللا منتمون… هؤلاء هم من سيفهمون جنون يعقوب وسيمسهم هذا الجنون وسيشربون من النهر وربما في أقصى الأماني توحشا سيسحبون البقية الأغلبية لتذوق هذا الجنون ربما سيحدث ذلك قريبا حين يدرك الجميع الأحياء والأموات. إن الأنا تسعى فقط لفهم ذاتها حتى تواجه الأنات المختلفة دون تبرج.. في زمن تهتكت فيه ذاكرة قاسم فنعيناه حيًا ثم نعيناه حقيقة وبقي الشاهد رمزا وأغابي حارسة.

كان التجديد في شكل الرواية في اختيار زمن ومكان يبدوان فضفاضين لكن تقيدهما الكاتبة بإشارات تحدد لنا سياق الحدث زمانيا ومكانيا مع بعض الرمزية التي تشكل مع اختيار الأسماء والأحداث التاريخية مفاتيح السرد. في هذه الرواية سرد عجيب كيف تنتقل الكاتبة من راو لآخر بسلاسة مثلا في الفصل الثاني كان هناك أكثر من راو، وفي الفصل نفسه يأخذ كل راوٍ حجمه ويتحدث الجميع ونفهم القصة.

لا أعرف لِمَ حين أنهيت الرواية سألت نفسي، ماذا لو كنتُ يعقوب؟ فأين غايتي؟ وهل سيصحو يعقوب أنا وهل سأصحو يعقوبا؟ ومن غايكوب؟ من غايكوب؟ أين لنا بالقميص يا أمل.

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى