المبالغة في تقدير المواهب: لماذا تحتاج إلى الحصى للوصول إلى القمة؟

  توم أندرسون


حجم الخط-+=

ترجمة: عبير علاو

“ما الذي يجب أن تعتمد عليه عندما تريد النجاح؟ المواهب؟ ليس صحيحًا، تعرف في هذه المقالة على سر تجميع الحصيات”.

كان ديريك ريدموند العداء الأول لبريطانيا العظمى في سباق 400 متر في أولمبياد 1992 لم يتأهل للدور نصف النهائي، ربما ستظن أنَّ لا أحد سيتذكره، لكن العجيب أن الملايين يتذكرونه، حتى أن باراك أوباما أحد المعجبين به. لماذا؟ كان ريدموند رياضي رائع وحاصل على الميدالية الذهبية في بطولة العالم، وهو الأشهر لأنه جاء في المركز الأخير في نهائيات 400 متر لأولمبياد 1992. قد يكون عدُّ إنهائه للسباق إنجازًا، لكنه حين كان في منتصف الطريق قُطعت أوتار ركبته، وسقط على الأرض من الألم في حين كان المتسابقون الآخرون يتجهون نحو خط النهاية. كان من الواضح أنه لن يستطيع الفوز، والألم يشتد عليه، في موقف كهذا قد يستسلم معظم الناس لكن ريدموند ليس من بينهم! إذ كان مصممًا على إنهاء السباق الذي بدأه، وهكذا بدأ بمحاولة اجتياز الـ 150 مترًا المتبقية للوصول إلى خط النهاية. بينما هو يناضل انضم إليه والده في حلبة السباق، فكان يركض من المدرجات أولاً ليطلب منه التوقف لكنه رفض وعقد عزمه على الإكمال فأكمل والده الركض معه معاونًا ومحفزًا له على الاستمرار. وحين انتهى السباق، كان الملعب بأكمله يقف على قدميه وهو يصفق لشجاعة ريدموند، وقد عد هذا الحدث من أكثر اللحظات الملهمة في مسار الأولمبياد وحصد على لقب “ثالث أهم لحظات الألعاب الأولمبية” في استطلاع أجرته شبكة إن بي سي. 

تعرض قصة ديريك ريدموند الملهمة الكثير من الخصائص التي نعرفها على أنها حصى وعقبات، إذ إنها تعلمنا كيف نعود مرة أخرى بعد السقوط، وهي صمودنا وضبطنا لذاتنا في وجه الشدائد، إنها الليالي الطويلة من العمل الشاق الذي بذلناه لتحقيق هدف، والشغف الذي يتملكنا حين نقوم بما نحب.  منذ سنواتنا الأولى في الحياة، تلعب الحصيات وعزمنا تجاهها دورًا مهمًا في تنميتنا، ففي كتابه “كيف ينجح الأطفال” يكشف المؤلف بول تاف أن الأطفال الذين يتعرضون لمستويات صحية من العقبات ويتجاوزونها بعزم قوي يصبحون أكثر نجاحًا طوال حياتهم. وقد أوضحت نتائج التجربة الرمزية لحلوى القطن (المارشميلو) ذلك على نحوٍ جميل، ففي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، اختبرت جامعة ستانفورد ضبط النفس لدى عدد من الأطفال الذين يبلغون من العمر 4 سنوات من خلال وضعهم في غرفة مع حلوى المارشميلو ومنعهم من تناولها، ثم تركهم بمفردهم أيضًا مع قطعة حلوى مغرية، ووجدوا أن الأطفال الذين قاوموا الإغراء وامتنعوا عن أكل قطعة الحلوى انتهى بهم الأمر إلى الحصول على أعلى الدرجات في اختبار القدرات SATS) Scholastic Assessment Test)، وكانوا أكثر صحة ويحظون بعلاقات أفضل من أقرانهم في الحياة. وعلى الرغم من أن تجربة المارشميلو قد خضعت للتدقيق نظرًا لمنهجيتها مؤخرًا فإنه لا يزال صحيحًا أن الصفات الشخصية مثل ضبط النفس والمثابرة والقدرة على النهوض بعد النكسات والتعلم من التجربة ساهمت في صنع العديد من قصص النجاح التي نقرأ عنها، بالإضافة إلى ذلك، يمكن تطوير هذه الصفات بشكل مستمر على مدى حياة الفرد، لذا ليس هناك سبب حقيقي يدفعنا للقول إنه لمجرد أن شخصًا ما لم يتمكن من تحمل إغراء المارشميلو وهو طفل، فإنه سيفتقر إلى الصفات المميزة للتفوق لاحقًا. يعد تجاوز العقبات أحد الأسباب المهمة لنجاحنا والتي تجعلنا نركز على الأهداف وتسمح لنا بالوصول إلى إمكاناتنا الفعلية وتحقيق ما نرجو، ووفقًا لكتاب Linda Kaplan Thaler وRobin Koval  “”Grit to Great فإنها أكثر أهمية من الموهبة في تحديد مصائرنا.

 يكمن سر الموهبة في أنها تسهل وصولنا لما نرغب فقط! لذا -ومن جهة أخرى- فإن ذوي الموهبة الأقل في مجال ما وأصحاب العزيمة القوية في ذات الآن يستطيعون بذل الجهد والإصرار من أجل الوصول إلى أهدافهم وتجاوزها لمستويات عليا لم يفكروا بها من قبل، لذلك تكون لديهم فرصة أكبر للتنمية، وعلى سبيل المثال، وجد مدير برنامج الكتابة المشهورعالميًا بجامعة أيوا أن أكثر الكتاب نجاحًا هم أولئك الذين أرادوا أن يصبحوا كتابًا رائعين، وليس أولئك الذين ولدوا بموهبة الكتابة. إن تصميم الأشخاص على النهوض إثر العقبات يجلب أهم الفوائد، إذ يجبر العزم الناس على العودة بعد الفشل والمضي قدمًا، كما أن مسيرة Derek Redmond الوظيفية توفر لنا مثالًا مثاليًا مرة أخرى فخلال مسيرته الطويلة في ألعاب القوى، مر بالعديد من الإصابات والنكسات قبل السباق المشهور وكانت هذه التجارب هي التي اقتات منها وجعلته أكثر تصميمًا على الاستمرار بغض النظر عن الصعاب، لقد كانت دافعيته لإنهاء نصف نهائي 1992 على الرغم من الألم القوي والمركز الأخير المتبقي له. 

إنَّ العزم حيويتك في درب النجاح، ولنلقي نظرة أخيرة على حياة ديريك ريدموند اللاحقة لنؤكد هذا الأمر، فعندما نصحه الأطباء بالتخلي عن الركض -محذرين من أن الأمر قد يؤدي إلى صعوبات في المشي لديه- دفع نفسه إلى تجربة أشياء أخرى بدلاً من ذلك، فأصبح لاعب كرة سلة ومثّل للمنتخب الوطني في المملكة المتحدة، ولعب لعبة الركبي، وارتقى أيضًا ليصبح مدربا لسباق العدو وفريق ألعاب القوى في المملكة المتحدة، رغم أنه بعد كل ما مر به، كان من الممكن أن يتخلى ريدموند عن الرياضة تمامًا، لكن عزمه أبقاه مستمرًا، وإذا لم يفز بالميداليات، فقد فاز بالحياة

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى