حصار متسادا/مسادا

learning history


حجم الخط-+=

ترجمة: بلقيس الكثيري

كان حصار متسادا (مسعدة بالعربية)* أحد الأحداث الأخيرة في الحرب اليهودية الرومانية الأولى، التي وقعت ما بين أعوام 73 -74 قبل الميلاد، في أرجاء قمة جبل عظيم (يطل على الساحل الغربي للبحر الميت) يقع في إسرائيل (الأراضي الفلسطينية المحتلة) حاليًا.

أُرِّخ حصار متسادا من يوسيفوس فلافيوس، وهو قائد عسكري متمرد، يهودي الديانة، أسره الرومان، وأصبح مؤرخًا في خدمتهم. بحسب ما يذكر يوسيفوس لقد أدى الحصار الطويل الذي فرضته قوات الإمبراطورية الرومانية إلى الانتحار الجماعي للمتمردين السيكاريين، والعائلات اليهودية المقيمة في قلعة مسادا، على الرغم من أن البحوث الأثرية لا تؤكد ذلك. أصبح الحصار مثيراً للجدل، إذ عدَّ بعض اليهود مسادا مكان تبجيل، لإحياء ذكرى أسلافهم الذين سقطوا بشكل بطولي في مواجهة القمع والطغيان، بينما عدَّه آخرون شاهد على التطرف ورفض التسوية.

الخلفية التاريخية لحصار متسادا

وصفت مسادا بأنها جبل معين الشكل، شامخ ومعزول، يبدو منيعًا في مظهره. ومن الناحية التاريخية لا يمكن الوصول إلى القلعة الواقعة في قمته إلا من خلال ممر واحد ضيق جدًا  فلا يسع رجلان السير فيه جنبًا إلى جنب. ويسمى هذا الممر “الأفعى” استنادًا إلى الطريقة التي يلتف بها ويتعرج حتى الوصول إلى القمة. أُطلاق اسم مسادا على المكان الذي استراح فيه داود بعد فراره من والد زوجته الملك شاول. الجدير بالذكر أن يوسيفوس فلافيوس -يهودي ولد ونشأ في القدس- هو المؤرخ الوحيد الذي قدم سردًا مفصلًا عن الحرب اليهودية الرومانية الأولى، والوحيد الذي سجل ما حدث في مسادا. بعد أن قُبض عليه خلال حصار يودفات، ثم أطلق الإمبراطور الروماني فسبازيان سراحه، أرَّخ يوسيفوس الحملة الرومانية. ويحتمل أنه استند في روايته إلى التعليقات الميدانية للقادة الرومانيين. وبحسب ما يذكر يوسيفوس شُيِّد قلعة مسادا لأول مرة على يد الحشمونيين. وحصَّنها هيرودس الأول ما بين 37 و31 قبل الميلاد، ليتخذها ملجأ له في حالة حدوث تمرد. وفي عام 66 م -بداية الحرب اليهودية الرومانية الأولى- تغلبت مجموعة من المتطرفين اليهود، الذين يطلق عليهم اسم السكاريين (نسبة إلى حركة السيكاري) على الحماة الرومانيين لقلعة مسادا واستقروا هناك. كانت مجموعة السيكاري تحت قيادة إلعزار بن يائير، وفي عام 70 م التحق بهم المزيد من السكاريين وعائلاتهم الذين طردوا من القدس من قبل السكان اليهود الذين كانوا في صراع معهم. بعد ذلك بمدة وجيزة، وبعد الحصار الروماني على القدس وتدمير الهيكل الثاني، فر العديد من السيكاريين والعائلات اليهودية من القدس واستقروا على قمة الجبل، المكان الذي استخدمه السيكاريون ملجأ وقاعدة لمهاجمة المناطق الريفية المحيطة. وعلى ضوء الشروحات الحديثة ليوسيفوس، فإنَّ السيكاريين هم مجموعة متطرفة منشقة عن طائفة الزيلوت الذين كانوا يعادون الرومان والجماعات اليهودية الأخرى على حد سواء. كان الزيلوت -على عكس مجموعة السكاري- هم الذين حملوا الثقل الأكبر للتمرد، وعارضوا الحكم الروماني ليهودا. وفقًا ليوسيفوس داهم السكاريون في عيد الفصح عين جدي وهي مستوطنة يهودية قريبة، وقتلوا سبعمئة من سكانها. ويشير علم الآثار إلى أن السكاريين عدَّلوا بعض المباني التي وجدوها هناك، من بينها المبنى الذي عُدِّل واستخدمَ كنيسًا في الجهة المقابلة للقدس، وقد يكون في أصله كنيسًا على الرغم من عدم احتوائه على الميكفاه أو المقاعد الموجودة في المعابد القديمة الأخرى. وهو أحد أقدم المعابد اليهودية في إسرائيل. كما عُثرَ على بقايا اثنين من أحواض الميكفاه في مكان آخر من جبل مسادا.

الحصار الروماني لمسادا

في عام 72 م قاد لوسيوس فلافيوس سيلفا (الحاكم الروماني لإيوديا) الفيلق الروماني إكس فريتينسيس “X Fretensis” وعددًا من الوحدات المساعدة وأسرى الحرب اليهود، وبلغ مجموعهم نحو خمسة عشر ألف رجل وامرأة (ما بين ثمانية ألف إلى تسعة ألف من بينهم مقاتلين رجال) لفرض حصار على تسعمائة وستين شخصًا في مسادا. أحاط الفيلق الروماني بمسادا وبنى الجدارالمعروف بـ circumvallation، قبل البدء ببناء طوق الحصار المنحدر على الوجه الغربي للهضبة، وذلك من خلال نقل آلاف الأطنان من الحجارة والطين. لم يدوّن يوسيفوس أي محاولات من جهة السيكاريين للقيام بهجوم مضاد على المحاصرِين خلال هذه العملية، وفي هذا اختلاف شاسع عن رواياته عن الحصارات الأخرى للثورة. وانتهيَ من بناء الطوق المنحدر للحصار في ربيع عام 73، بعد شهرين إلى ثلاثة أشهر من الحصار. وبُنيَ برجُ الحصار العملاق مع المدق وتحريكه بشق الأنفس فوق طوق المنحدر المكتمل. هاجم الرومان الجدار، وأطلقوا وابلًا من الشُّعل الملتهبة على جدار من الخشب، مما سمح لهم في نهاية المطاف كسر جدار القلعة في السادس عشر من نيسان/ أبريل 73 م. وعندما اقتحم الرومان القلعة، وجدوا أنها “قلعة أموات”.

أضرم المتمردون اليهود نارًا في جميع المباني عدا مخازن الطعام، وقتلوا بعضهم، على مبدأ أن “الموت بشرف خير من حياة مع العار”. ونقلًا عن يوسيفوس: “كان اليهود يأملون أن يقف معهم كل شعوبهم ما وراء نهر الفرات لإثارة العصيان”، ولكن في نهاية المطاف، لم يكن هناك سوى تسعمائة وستين من يهود الزيلوت الذين قاتلوا الجيش الروماني في مسادا. وعندما حوصر هؤلاء المتعصبون على قمة جبل مسادا مع عدم وجود أي مجال للهرب، يقول يوسيفوس ظن هؤلاء المتعصبون أنه بمقتضى الضرورة ومشيئة الله ينبغي أن يموتوا. واستنادًا لما ذكره ويليام ويستون -مترجم أعمال يوسيفوس- نجت امرأتان من الانتحار إذ اختبأتا داخل خزَّان مع خمسة أطفال، وقد نقلتا تحذيرات إلعزار بن يائير لأتباعه -قبل الانتحار الجماعي-  حرفيًا إلى الرومان: “بما أننا قررنا منذ مدة طويلة ألا نكون خدمًا  للرومان، ولا لأي شخص آخر غير الله، وحده المعبود بحق، رب البشر جميعًا، فقد آن الأوان الآن لتطبيق هذا القرار على أرض الواقع… نحن  كنا أول من ثار، وآخر من قاتل، ولا يسعني إلا أن أقدر فضل الله علينا، بأنه لا يزال في استطاعتنا أن نموت بشجاعة، ونحن أحرار”. إلعزار بن يائير

ونظرًا لأن اليهودية تحرم الانتحار، فقد ذكر يوسيفوس أن المدافعين أجروا قرعة وقتلوا بعضهم بالتناوب وصولًا إلى الرجل الأخير الذي سيكون هو الوحيد الذي يقتل نفسه. ويقول يوسيفوس أن إلعزار أمر رجاله بتدمير كل شيء ما عدا المواد الغذائية ليؤكد أنه برغم احتفاظ المدافعين بسبل العيش، ألا أنهم فضّلوا الموت على العبودية. وقد أظهرت الحفريات الأثرية أن المخازن التي تحتوي على المؤن احترقت أيضًا، ولم يتضح إذا ما كان هذا من فَعل الرومان، أو اليهود، أو بسبب انتشار الحرائق. ووفقًا لشاي كوهين فإن الآثار تظهر أن رواية يوسيفوس “غير مكتملة وغير دقيقة”. كتب يوسيفوس فقط عن قصر واحد، في حين كشف علم الآثار عن وجود قصرين، ووصفه للقصر الشمالي يحتوي على عدة أخطاء، وقد أعطى أرقامًا مبالغًا فيها حول ارتفاع الجدران والأبراج.

“إن الهياكل العظمية في الكهف، والحرائق العديدة في أماكن منفصلة تناقض رواية يوسيفوس”. وبحسب كينيث أتكينسون “لا يوجد دليل أثري على أن مدافعي مسادا قاموا بانتحار جماعي”. 

إرث مسادا

غالبًا ما يُبجَّل حصارُ مسادا في إسرائيل الحديثة بعدَّه “رمزًا للبطولة اليهودية”. تقول كلارا بالوتاي: “أصبحت مسادا رمزًا للموقف البطولي الأخير لدولة إسرائيل وقد لعب دورًا رئيسًا في رسم الهوية الوطنية لإسرائيل”. أما للكيان الإسرائيلي فإنَّ مسادا رمز لشجاعة محاربي مسادا، والقوة التي أظهروها عندما تمكنوا من السيطرة على مسادا مدة ثلاث سنوات تقريبًا، وتفضيلهم الموت على العبودية في نضالهم ضد إمبراطورية معادية. أصبحت مسادا اليوم مكان لعرض التراث الوطني، وموقعًا للاحتفالات العسكرية. تتحدث بالوتاي عن كيف نشأت علاقة حب خاصة بين مسادا وعلم الآثار وذلك لأن موقعها جذب الناس من جميع أنحاء العالم للمساهمة في العثور على آثار القلعة والمعركة التي حدثت هناك. ويعدَّها آخرون حالة تطرف لليهود الذين رفضوا تقديم تنازلات، ولجأوا بدلاً من ذلك إلى الانتحار وقتل عائلاتهم، وكلاهما محظور بموجب اليهودية الحاخامية. ويشكك الباحثون في اكتشافات يغائيل يادين، عالم الآثار الإسرائيلي، وهو أول من نقَّب عن مسادا. لقد كانت مسادا ذات يوم مكانًا يحتفل به الإسرائيليون، أما الآن أصبح الإسرائيليون أقل تمجيدًا لفكرة الانتحار الجماعي والتعاطف مع المتعصبين الدينيين، وقد عاين علماء آثار آخرون اكتشافات يادين ووجدوا بعض التناقضات. خلال تنقيب يادين وجد ثلاث جثث ادَّعى أنها ليهود من الزيلوت. ويزعم عالم الأنثروبولوجيا جو زياس وخبير الطب الشرعي آزريل جورسكي أنها جثث ثلاثة من الرومانيين الذين كانوا رهائن في حوزة يهود الزيلوت. وإذا كان هذا صحيحًا ستكون إسرائيل قد منحت عن طريق الخطأ ثلاثة من الرومان شرف الاعتراف بهم أبطالا يهودا، وتحديد مكان دفنهم مقبرةً رسميةً. هناك أيضًا بعض الجدل حول المدافعين عن مسادا وما إذا كانوا من المتشددين الأبطال للثورة اليهودية الكبرى ضد روما أو أنهم عصابة من القتلة الذين أصبحوا ضحايا لعملية التطهير الرومانية الأخيرة.

 

  *ما بين الأقواس: إضافات المترجِمة.

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى