وليم شيكسبير

Great Writers


حجم الخط-+=

ترجمة: مؤمن الوزان

الشاعر المبدع ومسرحي إنجلترا في عصر النهضة، كتب أكثر من ثلاثين مسرحيةً، كما كتب القصائد القصصية والسونيتات. إنه أستاذ للتراجيديا والكوميديا، ولا مثيل له في الأدب الإنجليزي.

ولد وليم شيكسبير في سوق بلدة ستراتفورد-أبون-أفون، وارويكشاير، في نيسان/ أبريل عام 1564. لا نعرف التاريخ الصحيح لميلاده لكنه يمنح في العادة اليوم الثالث والعشرين من نيسان؛ يوم القديس جورج. كان والده رجلا طموحا ولد لعائلة من الفلاحين المُستأجرين، لكنه غادر ليعمل صانع قفازات في ستراتفورد، حيث ازدهر عمله وتزوج ابنة مالك الأرض، عائلة أردين، التي كان يدفع الإيجار لها. لعب والد شيكسبير دورا بارزا في حياة بلدة ستراتفورد وامتلك بيتين. نجا الابن الأكبر، شيكسبير، من بين خمسة أطفال من الموت في طفولته، وأُرسل إلى مدرسة القواعد المحلية لتلقي التعليم، ووصفه لاحقا زميله المسرحي بين جونسن بأنه يملك “لاتينية قليلة وإغريقية أقل”، لكن مما لا شك فيه أن مدرسته عرّفته على مؤلفي الأعمال اللاتينية الكلاسيكية؛ الأساس الضروري لأي متعلم في عصره. ما نعرفه من تقدم شيكسبير من جذوره المحلية إلى نجاحه في العمل ممثلا مسرحيًّا  في لندن بمثابة شذرات صغيرة وحسب، وهي المؤكدة في هذه القصة. 

حياته المبكرة في ستراتفورد

تزوج شيكسبير آن هاثوي، أكبر منه بثماني سنوات، وكانت على وشك الولادة حين وصلوا إلى مذبح كنيسة البلدة، لتلدَ توأمين بعد طفلتهما الأولى سوزانا. عُمّد الولد التؤام باسم هامنيت والبنت التوأم باسم جوديث. كان شيكسبير في الثالثة والعشرين من عمره ويعيش في منزل والده مع زوجته وأطفاله الثلاثة، عندما انتقل إلى لندن تاركا عائلته خلفه. ووفقا لبعض المصادر فإنه كان مضطرا لمغادرة ستراتفورد بعد اتهامه باصطياد غير مشروع لغزال، ويشير المصدر الآخر أنه هرب من قيود زواجٍ بلا حب. لكن يحتمل أن يكون وعيه بامتلاك موهبة استثنائية في النثر ما دفعه للمغادرة بوجيز القول من أجل تحقيق حياةٍ من الشهرة والثروة. 

لندن لأول مرة

وصل شيكسبير إلى لندن في عام 1587، وكانت المشاهد المسرحية في المدينة وقتها في مرحلة النشأة، فقد بُنيت بعض المسارح الثابتة خارج المدينة التي لم تتجاوز العقد من الزمن. وكان هناك حفنة من الشعراء المعلِّمين، من ضمنهم توماس ناش، وروبرت غرين، وكريستوفر مارلو، الذين ابتدأوا بكتابة أعمال أصيلة لمجموعة من الممثلين ليؤدوها. أمّا كيف قدَّم شيكسبير نفسه إلى عالم المسرح الناشئ بالضبط فهي مسألة تخمين لا أكثر. تقول الأسطورة إنه بدأ بالاعتناء بالخيول خارج أحد المسارح، لكن المعروف بأنه وضع أساسا له ممثلا وكاتبا مسرحيا. كانت إنتاجات المسرحيين الإليزابيثيين نشاطاتٍ تعاونية، ولعل أولى مسرحيات شيكسبير – والتي تضمنت ثلاثة أجزاء لهنري السادس وريتشارد الثالث- قد كتبت بالاستعانة بمساهمات من مسرحيين آخرين من أمثال مارلو أو ناش، وقد جعل النجاحُ الهائل العام من شيكسبيرَ بارزا بما فيه الكفاية لينال هجوما مرا ومركَّزًا من كاتب مسرحي منافس يدعى روبرت غرين، والذي اتهمه بأنه كـ”غراب محدث نعمة… غارق في غروره (Shake-scene)* الوحيد في البلاد”. 

*تلاعب باسم شيكسبير ويقصد به صدمة المسرح أو المصدوم استخفافًا به. 

الطاعون والشعر

قوطعت مهنة شيكسبير المسرحيّة من عام 1592 إلى 1594 بانتشار كبير للطاعون الذي أصاب سكان لندن. أُغلقت كل المسارح مدة من الزمن، وظهرت مطبوعة أثناء التوقف عن المسرح أولى أشعار شيكسبير “فينوس وأدونيس”، وهي قصيدة حب قصصي نُشرت في 1593 وأهديت إلى صاحب العشرين عاما، هنري ريوثيزلي، إيرل ساوثامبتون. طُبعت قصيدة شيكسبير القصصية الثانية “اغتصاب لوسريس” في السنة اللاحقة وأهديت أيضا إلى الإيرل. بمرور الوقت، بدأ شيكسبير بكتابة سلسلة من السونيتات؛ نوع شعري حديث انتشر بواسطة إدموند سبنسر. ومن المحتمل أن يعود زمن كتابة هذه السونيتات إلى ما بين 1591 و1603، وكانت أول طبعة لهن جميعا في 1609. سردت المئة والأربع والخمسون سونيتة على نحو فضفاض حبَ الشاعر لـ”الفتى اللطيف” و”السيدة الغامضة”. حاول عديد من الدارسين تعريف هذه الشخصيات على أنها حقيقية في حياة شيكسبير، مثل الحروف الأولية الغامضة “Mr W. H.” للشخص الذي أهديت إليه السونيتات. تُشير القصائد إلى احتمالية أن يكون شيكسبير مثليًّا أو مزدوج الميول الجنسية، ويناقش بعض الدارسين بأن “الفتى اللطيف” قد يكون هو إيرل ساوثامبتون أو راعي شيكسبير اللاحق، إيرل بيمبروك. ومن المحتمل أيضا أن هذه القصائد متخيلة تماما وتحمل القليل من حياة شيكسبير الخاصة، وهنَّ بالتأكيد من أجود القصائد باللغة الإنجليزية. 

منصة النجاح 

عندما خفَّت موجة الطاعون وأُعيد فتح المسارح في 1594؛ انضمَّ شيكسبير لجماعة عُرفت باسم رجال السيد تشامبرلين (سُميت بهذا لأن راعيها كان أمير هونسدون، هنري كاري). ضمت الجماعة اثنين من أفضل الممثلين في عصره، وهما الممثل الكوميدي وليم كيمب والممثل التراجيدي ريتشارد بوربايج. أدى شيكسبير أدوارا على المنصة، لكن دوره الرئيس كان خلق مواد جديدة. ففي السنوات الخمس اللاحقة، كتب شيكسبير عشْر مسرحيات، من ضمنها روميو وجوليت، والمسرحيات الكوميدية حلم ليلة منتصف الصيف، وكما تشاء، والمسرحيات التاريخية لريتشارد الثاني وهنري السادس. لاقت هذه الأعمال نجاحا متزامنا لدى كلا من الجمهور الشعبي والملكي حين مُثلت في بلاط الملكة. لم يكتب شيكسبير قصصه من بُنيات أفكاره، فقد اُستعيرت حبكاته من مصادر منوع- لكنه نفث الحياة إلى عدد كبير من الشخصيات بحيوية لغوية لا مثيل لها. أثار مزج المأساة المؤلمة بالسخرية الطفيفة، والرومانسية والخلاعة قلق المتعلمين الإليزابيثيين حول القواعد الكلاسيكية للمسرح، لكنهم استسلموا في آخر الأمر لقوة إبداعاته وخياله. وفي حين واجه الكتّاب المسرحيون الآخرون مصائر مختلفة، إذ قُتل مارلو في شجار حانة، وسُجن جونسون مرتين لإهانته السلطات؛ بقي شيكسبير بعيدا عن المشاكل، وجمع ثروة متوسطة. اشترى منزل “نيو بالاس”، وهو منزل فخم في ستراتفورد، وامتلك لاحقا أرضا خارج البلدة. حين بنت جماعة تشامبرلين مسرح غلوب في لندن عام 1599، كان شيكسبير واحد من المالكين للمسرح، إذ كان مستثمرا فيه. لكن النجاح العام طغى عليه الحدث الجلل في حياة شيكسبير الخاصة، والذي تمثَّل في موت ابنه هامنيت عام 1596. 

سواد المسرح

لاحظ العديد من النقّاد قتامة مزاج شيكسبير في مطلع القرن السابع عشر، والذي نجده منعكسا في مجموعة المسرحيات المأساوية المتتابعة التي كتبها، من يوليوس قيصر (1599) وهاملت (1601) إلى عُطيل، والملك لير، وماكبث (1604-1606) وأنطوني وكليوباترا وكوريولانوس (1606-1607). وثمة شكوك بأنه قد يكون مصابا بمرض تناسلي أثار ردودا عنيفة نافرة من الأداء الجنسي في بعض مسرحياته. من ناحية أخرى، كانت تلك المدة التي كتب فيها مسرحيته الكوميدية الطريفة “الليالي الاثنتا عشرة”. وبما أن التراجيديا كانت تعد أسمى أشكال الدراما، فليس من المفاجئ أن يتحول كاتب مسرحي في قمة نجاحاته نحو معالجة ثيمات مأساوية عظيمة الشأن. وبعد وفاة إليزابيث الأولى في عام 1603، تحولت رعاية جماعة تشامبرلين إلى الملك الأسكتلندي الجديد الذي تولى العرش، جيمس الأول. أصبحوا إثرها رجال الملك وازدهروا بتواتر، وتلقوا المال بسخاء لأدائهم في البلاط. وفي كتابته للمسرحية الأسكتلندية، ماكبث، كان شيكسبير من منزله الريفي يلبي رغبات جيمس على الرغم من أن المسرحية المأساوية بالكاد أظهرت مداهنة للرؤية السياسية لحياة شمال البلاد. 

تغييرات في الأسلوب

استمر شيكسبير في كتابة المسرحيات وتمثيلها في مسرح غلوب، بجوه العام الذي جمع ما بين الجمهور الصاخب والراقي، ودفعه تأثير البلاط تدريجيا نحو تحسين أسلوبه المسرحي، بخط مواز للذائقة التعليمية. شُجِّع هذا التوجه على نحو أوسع حين بدأوا بأداء فوق خشبة مسرح أصغر، مسرح بلاكفرايرز المسقّف، وجذب هذا المسرح حضورا أكثر رُقيا. كانت مسرحيات مثل بيركليس وحكاية الشتاء أكثر زخرفة وأقل حيوية في نهاية أسلوب شيكسبير المسرحي. كُتبت “مسرحية العاصفة” قرابة عام 1616، وربما كانت آخر مسرحيات شيكسبير التي كتبها بأسلوبه الخاص. إنها الخُطبة الأخيرة، حيث ينادي الساحر بروسبيرو الحضور بـ “حرّروني”، والتي فُسِّرت غالبا بأنها وداعية شيكسبير للمسرح. بقي شيكسبير يكتب لجماعة رجال الملك، ولا سيما بالشراكة مع جون فليتشر. غير أنّ أول أداء لشيكسبير وفليتشر في مسرحية الملك هنري الثامن في عام 1613 تسبب كارثة، فقد تسببت إطلاقة مدفع استُخدمت لتكوين تأثير خاص إلى نشوب حريق في سقف مسرح غلوب أتى على آخره، ثم أعيد بناؤه، وبقي شيكسبير شريكا في شئون تمثيل الجماعة. ووفقا لإشاعة قوية، فإن شيكسبير أصيب بالحمى التي قتلته في رحلة العودة إلى ستراتفورد من لندن في طقس قاس، بعد فصل بديع مع شعراء زملاء في ميرمايد ترافن. مات شيكسبير في نيسان/ أبريل 1616، ربما في عيد ميلاده الثاني والخمسين. خلّف وصية تعكس اهتماما عاديا بمستقبل أفراد أسرته، والشيء الغريب، الذي يسترعي الملاحظة، وصيته بـ “ثاني أفضل سرير” يملكه لزوجته. قيل -وعلى نحو مقنع- بأن السرير الثاني يعني سرير الزوجية، وأن السرير الأفضل كان السرير المخُصص للضيوف. شيّدت عائلة شيكسبير نصبا له في كنيسة الثالوث المقدسة، حيث دُفن. 

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى