موسوعة السرد العربي – د. عبد الله إبراهيم

كتب 5-8


حجم الخط-+=

مؤمن الوزان

الكتاب الخامس من الموسوعة يتناول مرحلة جديدة ومهمة من الأدب العربي الحديث، وهي الأهم في القرن الماضي، واستمرت بالتطور حتى وقتنا الحالي والتي تتمثل في الرواية، يُفتتح الكتاب بعرض ونقاش قبولية الرواية في الوسط الثقافي العربي، ورفض بعض النخب الدينية والثقافية والفكرية لها لأسباب مختلفة منها دينية كأن تكون هذه الروايات مبنية على قصص مكذوبة أو تنقل حوادث تاريخية لم تحدث كما في الروايات المعربة، أو أن قراءتها لا تجلب أي منفعة أو فائدة، وتعاد نوعا ما مرحلة القص في التاريخ الإسلامي وكيف رُفض القصاص ووصموا بأسوأ الصفات بعد أن كانت لهم مكانتهم بعد خروجهم عن الغرض الذي شُرِّع لهم بالوعظ والنصح. ويقارن د. عبد الله إبراهيم حالة الاعتراض التي واجهت الرواية العربية في بداية الأمر مع قضية شبيهة لها في الأدب الفرنسي ورواية مدام بوفاري والتهمة التي وجهت إلى فلوبير بنشر الفساد ومحاربة الفضيلة عبر روايته التي أظهرت إيما بطلة الرواية تمارس الفاحشة عن رضا دون تأنيب للضمير، وبعد محاكمة المؤلف التي انتهت بتبرئته من التهم الموجهة إليه، شهدت الكتابة الروائية التحرر من أي قيود قد تمنع الكُتّاب من تناول المواضيع التي يودون بأي أسلوب كان. وكذا الحال مع الأدب العربي فإن انتشار الرواية بدأ يزداد والتوجه إليها بدت سماته واضحة، وشرع الكُتّاب بكتابة الروايات، كما عند المويلحي والخوري وعلي مبارك والبستاني، لكن المرحلة اللاحقة عرفت خلافا بارزا استمر حتى اليوم حول الرواية الرائدة في الأدب العربي، ووفق أي أسس وشروط وقواعد تُختار الرواية الرائدة، لا سيما وهي فن أدبي نثري متطور باستمرار ولا تحده حدود ولا تقيده مستويات وصل إليها، بل إن الرواية الرائدة في كل الآداب تشهد اختلاف وعدم اتفاق على عمل ما، هذا ما يجعل الحديث حول رواية عربية رائدة محط خلاف لا يُمكن أن يعرف اتفاقا. وهذا ما يُناقشه الفصل الثاني من الكتاب ونقاش حول ريادة رواية زينب لمحمد حسن هيكل مستعرضا الآراء التي تقول بريادتها أو تقف بالضدِّ من هذا الرأي، وما بين مؤيد ومعارض، تستمر النقاشات حول هذه الرواية، سواء في الموضوع أو اللغة أو الأسلوب أو حتى استخدام “فلاح مصري” بدلا من اسم الكاتب نظرا لاعتبارات تخص كتابة الرواية وقتئذ، ويرجح د. عبد الله إبراهيم أن الآراء حول هذه الرواية اصطبغت بمرجعيات خارجية روّج لها المؤثر الغربي، ولا يمكن استخلاص رأي نقدي نقي كل النقاء من أي مؤثرات خارجية، مما يجعل الريادة محل شك، مهما رُوج لها ابتداء من مجلة البيان التي نشرتها لأول مرة سنة ١٩١٤. وتبقى مسألة الريادة ضبابية، إذ لا يمكن أن نعطي للرواية تعريفا شاملا وعناصر فنية نضبط بها كل الأعمال في إطارها، بل هي تمثل مرحلة تطور سردي شهدته كل الآداب العالمية شرقا وغربا، وبما أن الرواية تتطور في كل مرحلة بإضافة عناصر جديدة أو حذف أخرى فإن لكل مرحلة ريادتها الخاصة، ولا يمكننا دون شك أن نقول أن الرواية العربية ابتدأت بزينب متجاهلين العوامل التي ساعدت وأوصلت الرواية إلى هذا المستوى. لا يبخل د. عبد الله إبراهيم في نقض جميع الآراء التي تقول بالريادة من خلال طرح أمثلة لروايات سبقت رواية زينب احتوت العناصر التي قال المناصرون لرواية زينب أن لهذا السبب أو ذاك استحقت رواية زينب القول بريادتها للرواية العربية الحديثة. وبتطور الرواية في القرن العشرين، شهدت الرواية مواضيع ومرجعيات ثقافية نهل الرواة من بيئاتهم مواضيعهم وطرحوها في رواياتهم كما لدى نجيب محفوظ وروايته التي عرض بعضها ونقدها في الكتاب وركز فيها على موضوع الأبوة والذكورة في روايات محفوظ: بداية ونهاية والثلاثية وملحمة الحرافيش وأبناء حارتنا. في هذا الفصل عرض نقدي سردي لهذه الروايات وتحليل لمكانة الأب ودوره في نسج متن الحكاية وتأثيره في محيط الأسرة، وذوبان العنصر الأنثوي في ماء الذكور الذي طغى في روايات محفوظ. أما المرجعيات الثقافية والتمثيل السردي لها، فكان الفصل الذي ناقش فيه الكتاب عدة مواضيع منها العلاقة بين الأنا والآخر في رواية موسم الهجرة إلى الشمال، والمدينة والصحراء كما في روايات إبراهيم الكوني، والطبائع الثابتة والمواقف المتحركة والذكورة والأنوثة، وغيرها من المراجع الثقافية التي استندت لها الروايات التي وقع عليها الاختيار. وهذه الفصول ليست مجرد عرض لمرجعيات ثقافية حوتها الروايات بل هي دراسات في السرد الروائي ونقده وتحليله، مما يضفي لهذه الفصول طابع نقدي يقف فيها القارئ على قراءة مستفيضة وعميقة لهذه الروايات، التي مثلت السرد التقليدي الشفاف، الذي لا يبحث عن أي التفاتات قد تعرقل القارئ وهو ما يمثله الجيل الأول من الروائيين العرب. لكن الجيل الثاني من الكُتّاب بحثوا عن التجديد والتغيير وهو ما تمثله الرواية من ميزة تجديدية وتغيّر مستمرين، يعرض الفصل الخامس هذه النقلة الجديدة في الروايات العربية اللاحقة لمرحلة التأسيس والبحث عن طرائق سردية جديدة والغوص في العوالم السردية، والبحث عن سبل جديدة في بنائها بعيدا عن الطرح المباشر والواضح وكون الحكاية هي المحور الرئيس الذي يصب الكاتب كل اهتمامه فيها، بل أصبح السرد ومستويات السرد وبناء الشخصيات وطرق عرضها وعلاقاتها مع الراوي والمؤلف هي أيضا شغلهم الشاغل، وهو ما أراه يمثل مرحلة نضج فكري لدى الرواة، فبعد أن استلموا مشعل الرواية من سابقيهم، بدأوا مرحلة تأسيسية مختلفة قائمة على فهم الفن الروائي وما العناصر التي تقوم عليها الرواية من أجل إضفاء لمسة خاصة تدفع الرواية العربية إلى الأمام هذا ما تزامن مع شيوع رواية ما بعد الحداثة في أوروبا وأمريكا وخضوع الرواية لمؤثرات جديدة لم يعرفها السابقون، كل هذا جاء وفقا لتغييرات العصر الفكرية والاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، والرواية العربية والروائي العربي لا يقل عن نظيره الأجنبي وليس بمنأى عن تغييرات العالم، مما دفع جيل من الروائيين إلى التطلع أماما برواياتهم. ويصطلح الدكتور السرد الشفاف على السرد التقليدي الذي انصب اهتمامه على الحكاية، في حين يصطلح السرد الكثيف على السرد التجديدي الحديث في النصف الثاني من القرن العشرين، وهذا السرد الذي أصبح غايته ليس عرض حكاية بل وكذلك عرض الطريقة التي تُبنى فيها الحكاية ومستويات السرد، والتداخل بين الرواة والمؤلفين والشخصيات، وكذلك تنوع المواضيع والتركيز في بعض الروايات على مواضيع جديدة تخص المهمشين وإعادة صياغة المرجعيات الثقافية، وكذلك الاهتمام بعنصر الزمن في الرواية، وترك الأسلوب المتوالي الكرونولوجي، وكذلك تعدد مستويات الحكاية، والاهتمام بكيفية ترتيب النص السردي وتكوينه وتكوّنه، والتدخل المباشر من الرواة في إضافة تعليقات أو شروحات، دون التواري والتماهي مع الحكاية والاختفاء خلف راوٍ عليم، ومع مجموعة من الروايات المميزة لروائيين، نجد مرحلة نضج متزامنة مع نظيرتها في أوربا وأمريكا، وكذلك تمثل هذه المرحلة بتقنياتها الجديدة، مرحلة ما بعد الحداثة في الرواية العربية، سواء على مستوى السرد أو المواضيع أو التقنيات التي يلجأ لها الروائيون في تقديم مادتهم الأدبية، وفي فصلين كاملين يشرع الدكتور برحلة في فضاء هذه الروايات عارضا إياها ومحللا وناقدا، برؤية موضوعية عارفة شاملة لتلافيف الرواية ومما يزيد من أهمية قراءته ودراسته لهذه الروايات هو الثقافة والاطلاع على الآداب الغربية مما يضفي للقراءة بعدا أكثر توسعا وعالمية، مؤكدا فيه المستوى الذي وصلت إليه الرواية العربية من نضوج وبلوغ أدبي وتقني وفني، لا يقل عن نظيراتها في الآداب الأخرى.

***

الكتاب السادس من الموسوعة، خُصص للسرد النسوي فقط، ويكتب د. عبد الله في تقديمه لهذا الكتاب بأن السرد النسوي قام على ثلاثة مراحل: الأولى نقد الثقافة الأبوية والذكورية؛ والثانية اقتراح رؤية أنثوية للعالم؛ والثالثة الاحتفاء بالجسد الأنثوي؛ واشتبكت هذه المكونات في بلورة مفهوم الرواية النسوية التي صارت تعرف عليه اليوم. 

امتازت الأجزاء السابقة في الموسوعة على إبراز تفرد وصيرورة السرد العربي الذاتية، ومحاولة نفي أي شائعات تربط تطوره بالآداب الغربية، ولا سيما ما يخص الرواية الحديثة، كما يُلاحظ القارئ في الكتابين الرابع والخامس، لكننا نجد في كتاب السرد النسوي، وفي تقديم الفكر النسوي والحركات النسوية والأسس التي انطلقت منها والأهداف التي رامت إليها، أن د. عبد الله اعتمد اعتمادا كاملا على الفكر النسوي الغربي في الثلث الأول في كتابه، وهذا ما يُشير إلى نقطتين مهمتين؛ الأولى هي أن السرد النسوي العربي ليس سردا ذاتيا متفردا خاصا بالأدب النسوي العربي، بل هو تأثر واستمد الأسس الانطلاقية من الفكر الغربي؛ الثانية هو التداخل والتشابه والوحدة ما بين المشاكل التي تعاني منها المرأة، والتي دفعتها إلى مواجهة هذا العالم الذكوري الذي عمد إلى انتهاكات تجاه المرأة على مر العصور لاعتبارات تصنيفية وتميزية وفوقية استغلها في بناء نظام سلطوي أبوي ذكوري. وعلى الرغم من مشاركة النساء المشكلة ذاتها، فقد تأثر الفكر النسوي الغربي بالنظرة الازدرائية إلى الآخر/ الأجنبي (المرأة) وهذا ما دفع الكثير من النسويات الرد على هذه الرؤى الانتقاصية ونقدها وبناء رؤى خاصة بها، يواجهن بها مشكلات مجتمعات مختلفة عن نظيراتها الغربية، التي رأين أن مشكلة المرأة في أوربا هي مشكلتها في كل مكان. ويستفيض الحديث في هذا الكتاب عن الفكر النسوي والغربي عموما، حتى يكاد يجعل الكتاب شاذا في الموسوعة، والذي يتأتى فيما بعد السبب في هذا، حيث هذه النظريات والمناهج الفكرية هي التي نهلت منها الكاتبة العربية القواعد الفكرية التي كتبت فيها من أجل نقد الأسس التي قامت عليها المظلومية التي تعرضت لها المرأة العربية. وتوزعت فصول الكتاب ما بين نقد الأبوية، والرؤية الأنثوية للعالم، الأنثى ومركزية الذكورة، والمركزية الجسدية، وربط هذه المواضيع بالسرد النسوي في الرواية العربية التي كُتبت بأقلام الإناث. وعرض الكتاب عشرات الروايات وتحليلها ونقدها، وتكاد الروايات جميعهن ينبعن من رؤية واحدة ويتجهن نحو محطة واحدة وإن تباينت كل رواية عن الأخرى بسمات خاصة ومثلت مشكلة معينة وبيئة خاصة، لكنها بدت كردة فعل تجاه نظام صارم امتهن المرأة وخفض من قيمتها وعاملها بقسوة، لذلك كانت ردة الفعل هي القيام بكل ما يزعزع هذه القيم التي قام عليها المجتمع، سواء أخلاقية أو دينية، فتود الشخصيات النسوية في الرواية تحرير الجسد والتمتع بملذاته وتحطيم الحدود بين الذكر والأنثى في المجتمع، دون أي محاولة لفهم هذه الأسس، وهذا ما لاحظته في كثير من الأمثلة الروائية أنه ليس هناك محاولة جادة لفهم هذا المجتمع والأبوية التي تبلغ من العمر قرونا كثيرة، بل هي تحطيم وتهديم وفي كثير من المرات تخريب لا أكثر، دون تقديم أي رؤية واضحة وجديّة يُمكن أن يُبنى عليه حلٌ مستقبلي ويكون ناجعا في تصحيح المسار، بل وتبدو كثير من الأحداث المذكورة في الروايات أنها مجرد تخيلات واستيهامات مكانها الرواية لا غير، فهي مليئة بالطوباوية والرؤية اليوتيوبية لعالم غير موجود، ويؤكد ما لاحظته ما يقول الدكتور في خاتمة الكتاب:

“ركبت الرؤية الأنثوية في الكتابة السردية النسوية العربية عالما تتعرض فيه الأبوية- نظاما وثقافة- إلى التأزم الذي يفضي إلى الارتباك ثم الانهيار، لكنها لم تقترح بدائل ولم تجرؤ على ذلك، فظل موقع الأنثى يراوح في ذلك العالم السردي المتخيل بين رغبة في الهروب من سلطة الأب بوصفه كابحا لرغباتها الجسدية، وبين مقاومتها، وبين الاستجابة لها إثر بدائل لا تفضي إلى نتيجة تحقيق التوازن في حياة المرأة. ومع ذلك فقد رسمت تلك الكتابة بوادر تفكك ذلك العالم، وصرّحت بضرورة خلخلة القيم التقليدية الداعمة له، فكان السرد يضطرب في إحالة دلالية لا تخفى عن العالم المضطرب الذي قام السرد بتمثيله”.

 لا بد أن تكون عملية الهدم المجتمع الأبوي وزعزعة استقراره مرافقة لعملية بناء أخرى لا تبخس حق الرجل، ولا تضعه في الدائرة التي خرجت منها المرأة، لأنها ستواجه في هذه الحالة صدًا وتمنعًا يجعل من مهمة الإصلاح مهمة عسيرة، لم يقدم السرد النسوي في الروايات التي ذُكرت في الكتاب أي بوادر تصحيح تعطي أملا بفهم دقيق لهذا المشكل الحقيقي، وبذات الوقت فهم للرجل والذكورية والأبوية، والأخذ بها وفق سياقها التاريخي والتطوري، دون الانخداع بمجتمعات رأسمالية أخرى، بقدر ما تعطي الأنثى تستغلها، لتتميز عن المجتمعات الشرقية بأنها لا تعطي وإن أعطت فهو النزر اليسير وتستغل المرأة، لذلك يتبدّى لنا أن المشكلة عالمية، وما تؤكده الإحصائيات لا تخفيه غيوم. 

الإصلاح الاجتماعي مُطالب به الرجل هو الآخر قبل المرأة، فهو أساس المشكلة، التي أدت بالمرأة إلى الخوض في غمارات مُتعبة للمطالبة بحقها! وعلى السرد النسوي عربيّه وعالميّه، أخذ المشكلة بعين الاعتبار من خلال رؤى واضحة بعيدا عن الربط بين الأنثى والجسد وجعله وسيلة متعة للذكر في سبيل الثورة والتحرر من إساره، فما تطرحه بعض الروايات، هو تحرير الجسد من جسد للتمتع الإجباري للذكر لتضعه في جسد للتمتع الاختياري للذكر، بل قد تنجرف أُخريات وتنزلق به إلى مستنقع الشذوذ والسحاق، فهذه الأمثال وغيرها تربط الحقوق والحريات التي يجب أن تتمتع بها المرأة بمفاهيم ضيقة لا تحقق شيئًا  فهي تقوم بمواجهة التطرف بتطرف آخر. 

ومما ينقده د. عبد الله عن الرواية النسوية، هي الأنثى الجميلة التي لا تبلى بتقدم العمر، فهي تبقى محافظة على شباب خالد، ويضيف كأن السرد النسوي لا يود الاعتراف بشيخوخة المرأة لذلك تنتهي الروايات والمرأة في منتصف عمرها وفي ذروة الحيوية! 

***

الكتاب السابع من موسوعة السرد العربي، فقد خُصِّصَ لمواضيع مهمة ومتشعبة، كالسيرة والأوطان والمنافي والهُوية وصورة الآخر والسيرة الذاتية والسيرة الروائية والرحلات والتحولات الدينية داخل الأعمال الأدبية. تناول الفصل الأول من الكتاب صورة الوطن في المنفى والعلاقة مع الأوطان التي جاء الإنسان منها، هذه العلاقة التي تتأرجح ما بين الحنين إلى الوطن والماضي “نوستالجيا” والتأقلم مع كل شيء جديد في الوطن الجديد من الحياة واللغة والثقافة والبشر والتاريخ، وهذا ما تمثل في إنتاج إدوارد سعيد، والذي عرض د. عبد الله في الفصل الأول من الكتاب دراسة تحليليةً لبعض أعمال إدوارد سعيد كالاستشراق وسيرة إدوارد سعيد الذاتية، وهي السيرة التي كتبها إدوارد بعد إصابته بالسرطان، والذي تحدث فيها عن سنينه الأولى وعلاقته مع والده ووالدته، وما حملته هذه السيرة الذاتية من العوامل والمؤثرات التي كان لها الأثر الكبير في حياة إدوارد وتكوين شخصيته. وتحدثت الفصول اللاحقة تتابعا عن مواضيع المدن المستعادة والهوية السردية، من خلال دراسة العديد من السير الذاتية، وهي السير التي تناولت مدنا عاش فيها الكُتّاب ومحاولة استعادتها عبر الذاكرة والتخيّل كما في سيرة مدينة لعبد الرحمن منيف، وغيرها، التي حاول فيها الكتاب بناء المدينة عبر الذاكرة وملء الفراغات بالتخيل أو ما حاولوا رسمه حسب ما تمليه عليه تصوراتهم، وتكشف هذه السير تمزقا جوّانيًّا يعيشه هؤلاء فهم لم يستطيعوا البقاء في مدنهم وبلدانهم لأسباب قهرية مختلفة، ورغم عيشهم في مدن جديدة فإن ولاءهم بقي لتلك المدن التي نشأوا وجاءوا منها، ليفتحوا باب السؤال عن معنى الانتماء وقيمة وحقيقة الأواصر التي تربطهم بالأرض الجديدة، والتي تتضح صورتها وحقيقتها الواهية، وأن الزمن مهما تقدم بهم فيها إلا أنها تبقى غير كافية لأن ينتموا إليها. ومن المواضيع المهمة التي طرحها في هذا الكتاب هو أدب الاعتراف وبمجموعة من الشواهد مثل كلمة أورهان باموق بعد نيله النوبل وكتاب عراقي في باريس لشمعون صموئيل، ناقش فيها د. عبد الله موضوع الاعتراف ومدى حقيقة الاعتراف ومن يملك الجرأة على الاعتراف، وتتداخل هذه المواضيع مع المرجع الحقيقي والواقعي الذي يمنح الكاتب كل الأدوات التي يحتاج إليها من أجل الإفصاح عن خبايا تخص العائلة والدافع للكتابة كما في حالة أورهان، وشهد كتاب عراقي في باريس، عرض العديد من المواضيع الخاصة بالهوية والعلاقة مع الآخر، شمعون العراقي الآشوري المسيحي وحلم السفر إلى أمريكا ليقع بعدها بيد القدر راميا إياه في شوارع باريس في وجهة جديدة، لكنه يُفصح في كتابه عن الكثير من الحوادث والمواضيع المتعلقة بالذات والروابط الدينية والنزاعات الهُوياتية ذات الطابع الديني، لتكون محركا لمادة نقاش وتحليل لمواد تطرحها مادة كتاب شمعون. وموضوع الهُوية من أبرز المواضيع التي تُنولت ونوقشت الكتب التي احتوت هذا الموضوع سواء كانت روايات أو سير روائية أو سير ذاتية أو حتى روايات رحلات، ومثلت مواضيع الهويات المتحولة والثابتة والهوية الدينية والعلاقة مع الآخر سواء في حالة الانسجام أو التنافر مادةً دسمةً، وهي بقدر ما تجيب عن الأسئلة  فإنها تطرح أضعافها، وكلما حاول الدكتور أن يقف ويلملم أطراف المادة بدت أكبر من أن تلمها شروح أو تستعرض أُفقها وأفكارها سطور. موضوع الهوية اليهودية وما كتبته الأقلام اليهودية سواء في اليمن أو العراق، من المواضيع التي طرحت عدة إشكاليات حول مفهوم الهوية الوطنية والدينية وتحديد الانتماءات وما تتعرض له الأقليات، وبذات الوقت تكشف مدى قصور بعض الإنتاجات الأدبية والكتابية عن تبيان الحقيقة الكاملة كما لدى اليهود العراقيين ومحاولاتهم تصوير العداء تجاههم دون نقد الذات أو تبيان العلاقة بين ما تعرض له اليهود في العراق وإقامة الكيان الصهيوني دولته على أرض فلسطين، أرض مغتصبة طرد أهلها وهجّروا وقتلوا مما أدى لنقمة عامة الناس على اليهود. وعلى الرغم من كل هذا ومن الهجرة من العراق فإن هؤلاء الكتاب العراقيون اليهود بقوا في حالة حنين إلى بلدهم، من خلال محاولة تصوير ما تعرضوا له وما كتبوه من أجل أرشفة حياتهم السابقة، وعدِّ أنفسهم في منافي وليسوا في بلدانهم الأصلية. هذه المواضيع التي وضعها الدكتور في عنوان الهوية الملوثة، هو عنوان يوحي بعدم النقاء التام لهذه الهوية، من خلال النظرة الدونية إليها من قبل المكون الأكبر الذي تعيش فيه، فهم ينظرون إليها بنظرة الريبة وعدم التصديق الكامل، وكذلك مدى رغبة هؤلاء اليهود في الامتزاج مع المجتمع والخروج من تقوقعهم على ذواتهم وعيشهم في مجتمعات مغلقة. وفتح الباب أيضا على باب اللغة المكتوبة، وتساءل هل يُعدُّ ما كتبوه أدبيا عربيا أو تراه أدبا يهوديا، وهل العرق أو اللغة هي التي تحدد أحقية ضم ما كتبوه بالأدب العربي، ويكشف في متن الفصول عن قيام الكثير منهم بالكتابة بالعربية ورفض اللغة العبرية والكتابة عن الحياة في العراق وارتباطهم بهذه الأرض والحياة فيها، الأمر الذي يجعل د. عبد الله إبراهيم يقول بأن محاولة فصلهم عن هذه الأرض أمر مستحيل وبذلك يضم ما كتبوه للأدب العربي. ويعد موضوع السيرة الروائية والكتب التي نهجت نهج هذا النوع الأدبي الجديد، والذي يوضح د. عبد الله أن كثيرين كتبوا اسم رواية على كُتبهم ذات طابع السيرة الروائية، ولم يدركوا هذا النوع، ويضيف هذا من طبيعة الأنواع الأدبية الجديدة التي يُكتبُ فيها وبعد أن تشيع تُدرس عناصرها وإطلاق أسماء لها، وهو الحال مع السيرة الروائية. التي يكشف اسمها معناها، مكونة من شقين رئيسين هما السيرة والرواية، فيعتمد الكاتب على سيرته الذاتية الحياتية لتمثل الجانب الحقيقي الواقعي السيري ويضم إليها أفكارا وخيالات وكتابات غير حقيقية تمثل الجانب الروائي منها، فهي بهذا يتمزج فيها الحقيقي مع الخيالي، في إنتاج فن أدبي وعمل كتابي يستغله الكاتب في جعل سيرته منبعا لكتاباته. تتنوع المواضيع التي يُكتب عنها عبر هذا النوع الأدبي ما بين التوثيقي والتصويري والكشف والدخول إلى عوالم مُغيّبة واستثمار التجربة الذاتية في مدِّ التجربة الكتابية الخيالية بكل ما تحتاج إليه من روافد تقوي من موقفها وتشد من أزرها. ليتناول بعدها عديد السير الروائية لكُتّاب مختلفين، يُمثل إنتاج كل منهم مادة الموضوع الذي حاول د. عبد الله أن يقف فيه على الجوانب الممكنة التي قامت عليها السيرة الروائية. مثلت الهُويات الدينية والتحول، مادة دسمة في دراسة الأديان وتوثيقها والمقاربة والمقابلة فيما بينها مما يفتح الباب أمام التداخل والتعايش بين أتباع هذه الأديان، وتعدُّ الهوية الدينية من المواضيع الشائكة التي تقتحم الحياة داخل المجتمعات ومدى تظافرها في خلق هُوية واحدة تجمع الناس وتصهرهم في بوتقة واحدة بعيدا عن أي تمايزات أو اختلافات، ونجد في هذا الفصل ثلاثة نماذج يدرسها ويحللها في متن بحثه الموسوعي لدعم ما يريد إيصاله إلى القارئ، ولكن الغريب في هذه النماذج أنها مترجمة، على غرار اسم الوردة وشفرة دافنشي، وهي روايات توثيقية وبحثية دينية، ومنها ما أرّخ مرحلة مهمة من صراع الكنيسة والإمبراطور في القرن الرابع عشر في أوربا. السؤال الذي يطرح نفسه، ما علاقة هذه الروايات بالسرد العربي؟ قد يُفهم كما في الكتاب السادس الاستشهاد بكتب الفكر النسوي الغربي لكونها الأسس والمراجع التي استمدت منها النسويات الأفكار عبر العالم ومثلت الانطلاقة الرئيسة وأصبح الترابط حتميا بين الحركات النسوية، لكن موضوع التحولات الدينية والبحوث التوثيقية أو البحثية في أصول الأديان لأقلام غربية يجعل هذه النماذج في الكتاب تمثل اضطرابا في الموسوعة، فهل هو يبحث ويدرس ويحلل مواضيع من كل الآداب أو هو يبحث فيما أنتجته الأقلام العربية حصرا، كما هو الحال مع العنوان العريض للموسوعة والتتبع التاريخي للسرد العربي كما في الكتب الخمسة الأولى، وكثيرا ما استطرد الكاتب في ذكر نماذج من الآداب الغربية يدعم بها تارة لتكون مصدرا ثانويا للمواضيع التي تناولتها الكتابات السردية العربية  ويمكن تفهم هذا نوعا من التطعيم في النماذج المعروضة، لكن أن تُؤخذ النماذج الغربية موضوعا رئيسا يُناقش هذا ما لم أفهم سببه وما دخله بالسرد العربي! لا يعني الانتقاص مما قُدِّم لكنه يدفعنا إلى التساؤل عن المنهجية التي اتبعها الباحث الدكتور عبد الله التي لم تكن واضحة في بعض فصول كتابه أو لم يلتزم بما ابتدأ به بنحو أكثر دقة في التشخيص. ختم الكتاب السابع من الموسوعة مع موضوع الترجمة والمترجمين وانتحال شخصية المترجم، ونسبة العمل إلى مصدر مجهول وكان دور الكاتب فيه دور الناقل فقط، وهذا الأسلوب الذي يلجأ له الكثير لأسباب متعددة منها، عرض أفكار والتبرؤ منها في حالة لقيت استهجانا ورفضا، أو إضافة الإثارة للقارئ ومده بنوع من الحماس، ومنها ما يكون أسلوب عرض يستخدمه الكاتب بما يلائم متن روايته. يتفرع الموضوع في الفصل الختامي إلى فروع مختلفة منها ما يمت لمتن الرواية بصلة كحال المترجم كما في رواية ليون الأفريقي ومنها ما له دلالة إطارية تضع العمل في حدودها، إضافة إلى التملص من المسؤولية كما في رواية عزازيل. 

***

الكتاب الثامن من الموسوعة فهو عن الرواية التاريخية أو ما قام بتسميتها د. عبد الله برواية التخيّل/ التخييل التاريخي.  لكي يتجنب الكثير من الإشكالات في المصطلح والنقاشات في تعريف الرواية التاريخية ووظيفتها وما مدى الدقة وصحة المعلومات التي تُطرح في الرواية أو تلك التي تمثل المراجع والمصادر التي استندت عليها الروايات. ويعرف هذا المصطلح بـ “يجوز القول بأنه المادة المستعارة من الماضي، وقد أعيد تشكيلها بواسطة السرد، فانقطعت وظيفتها التوثيقية، وأمست تؤدي وظيفة جمالية ليس من غايتها تأكيد أحداث التاريخ ولا إبرام عقد يجزم صدقها؛ فالتخييل التاريخي لا يحيل على حقائق الماضي، كما هي، ولا يقررها، ولا يروج لها، إنما يستوحيها بوصفها ركائز مفسرة لأحداثه…”. من هذا المصطلح الجديد الذي يذكره الدكتور في مقدمته للكتاب الأخير، يُصبح مفهوم الرواية التاريخية العربية التي بدأت مع جرجي زيدان في القرن التاسع عشر ميلادي بحاجة إلى التجديد والتغيير، والتحول إلى مفهوم التخييل التاريخي أو ما سماها برواية التخيّل التاريخي- حيث الاعتماد على التخييل في نسج المادة التاريخية واستثمار التاريخ خليفةَ أحداث وثيمة تحتضن العمل، بخطوطه العريضة ويبقى للكاتب الدور الذي من خلاله يقوم بتدوين وسرد اعتمادا على الخيال وأفكاره الخاصة في الكتابة. كذلك بقاء ما يسمى الرواية التاريخية، والاعتماد على المصادر التاريخية ونسج المادة الروائية كليا من التاريخ وإدخال العناصر الفنية لبُنية العمل الروائي، مع الوظيفة التوثيقية للتأريخ بكونها وظيفة رئيسة للرواية التاريخية، وهو الأمر الذي قام به جرجي زيدان في رواياته، فهو كما يقول لا يريد أن تكون رواياته كتب تاريخ بنسقها وأحداثها وطبيعة سردها إذ ستصبح وقتها لا تفرق عن أي من كتب التاريخ، بل أن تكون وظيفتها تحبب الناس بالتاريخ وقراءته من خلال إعادة طرح المادة التاريخية في ثوب الرواية، فهو لا يريد رواياته نسخا من أعمال المؤرخين فوقتها سيصح العودة لها والاستشهاد بها مصدرًا تاريخيا. لكن يبقى السؤال هل سيحل مصطلح التخييل التاريخي المشكلة لهذا النوع الروائي “الرواية التاريخية”، التي أرى أن الرواية التاريخية هي أصعب الروايات التي تتناولها أقلام الكُتّاب، فهي محفوفة بالمخاطر لا يتجرأ للكتابة فيها إلا القلة. تتجلى صعوبة الرواية التاريخية أن الكاتب مطالب أن يقرأ المادة التاريخية ويتشبع بها فيكون جزءًا من عالم آخر لم تكن له اليد الطولى فيه وهو عكس باقي المجالات التي رغم صعوبة العمل الروائي فإن للروائي اليد العليا في خلق الأحداث والشخصيات والأفكار وأماكن وقوع الحدث وزمانه، كل هذه العوامل عدا الشخصيات يجد المغامر في كتابة الرواية التاريخية نفسه مجردا منها، فهو محاط بأحداث معينة وزمان ومكان معينين، فبدل أن يجعل شخصياته تلج لعالمه، يكون هو مطالبا بالدخول لروايته قبل شخصياته، حذرًا أشد الحذر من زلة قدم تودي به وبعمله إلى مسالك السؤال والفحص والنقد والكذب والتدليس. 

الأمر الآخر الذي يجب القيام به هو استنطاق كتب التاريخ، فعملية قراءة كتب التاريخ التي تؤلف مادته ليست كافية، فمهمته التالية هي كيف يُجلس التاريخ إلى طاولته ويبدأ سؤاله واستنطاقه وأخذ الجواب الصحيح من بين عدة أجوبة خاصة إذا كانت المرحلة يلفها الغموض وتشوبها التضاربات وقلة الأخبار المؤرخين وندرة الشواهد، وهنا بالضبط تكمن مهمة الروائي حين يجمع خيوط كثيرة لتكتمل الصورة أمامه ليعيد تشكيلها بأسلوب أدبي روائي يوضح لنا ما التهمته الظلمة في بطون كتب التاريخ العملاقة، فيخرج الروائي بعباءة المؤرخ مرتديا تحتها قميص الروائي الذي يحاول جهد إمكانه إبقاءه بعيدًا عن بصيرة القُرّاء، فمهتمه ذات خلفية تاريخية بواجهة رواية أدبية. وعلى الطرف الآخر نجد أن مهمة الروائي في العمل التخيّلي التاريخي تبدو أخف وطأة وأقل مسؤوليات من نظيره الذي يكتب الرواية التاريخية، لكن يبقى المفهوم هذا نوعا ما مضببا؛ فرواية التخييل التاريخي تعطي انطباعا بأن العمل يتناول مرحلة زمنية معينة ماضية ويعيد تشكيلها وفقا لرؤاه الخاصة للزمان والمكان والأحداث والشخصيات، وهنا سيبرز العمل كأنه مسخ تاريخي إن لم يُجِدْ الكاتب صنعته، وفي كثير من الأحيان ومنها الروايات التي طرحها الكاتب في هذا الجزء من الموسوعة  تعتمد على الأحداث التاريخية في صوغ أحداثٍ ثانوية في مسار الأحداث المهمة لحياة الشخصية الرئيسة في الرواية، مما يعني أن يستغل التاريخ (الحدث التاريخي الحقيقي) في صياغة (الحدث التاريخي التخييلي الروائي)، فهنا يتضح لنا أن التخييل/ التخيّل التاريخي لا يمكنه أن ينفصل بالتمام عن التاريخ أو حتى الرواية التاريخية، ويبقى تساؤل أخير ما فائدة العمل التخييلي التاريخي؟ أهو لمجرد إضفاء سمة التاريخية بأجواءها وإكراهاتها ومزاياها على العمل الأدبي، هذا التبرير يبدو أقل تصديقا إذا ما قابلنا برغبة الكاتب في إعادة صوغ التاريخ كما يراه هو، وإعادة تسليط الضوء على أحداث أو شخصيات لم تحفظ كتاب التاريخ عنهم الكثير أو قد يذهب إلى أنها قد شُوهت أو لم تنل ما تستحقه كما نجد شيئا قريبا لهذا في رواية هذا الأندلسي لـبنسالم حميش الذي تناول فيها سيرة الصوفي ابن سبعين، أو البحث في حقائق غير مكتملة الجذور والأصول كما في رواية سمرقند للروائي أمين معلوف، والتي دارت حول حياة الشاعر الفارسي عمر الخيام وقصة كتابة الرباعيات، إضافة للتفاعلات والتداخلات والأحداث لتلك الحقبة والشخصيات مثل نظام الملك والحسن الصباح. إذًا فالتخييل التاريخي، هو استعارة التاريخ وإعادة استخدامه وتشكيله لأهداف تتجلى أثناء قراءة العمل. 

توزعت مادة الكتاب الأخير من الموسوعة من دراسات نقدية لأعمال أدبية تاريخية سواء أكانت الرواية التاريخية أو التخيّل التاريخي مثلت الشق الأكبر من الكتاب، والتي تنوعت ما بين كشوف تاريخية أو إعادة تشكيل أو سرد تاريخي تخييلي لأحداث دار عليها الزمن بدورته كما في روايات أمين معلوف ( رحلة بالدسار وبدايات وسمرقند وحدائق النور والحروب الصليبية كما رآها العرب). وروايات بسالم حنيش (العلامة وهذا الأندلسي ومجنون الحكم) والتي تناولت هذه الروايات حقبا وشخصيات حرجة كمرحلة الضعف والسقوط للدولة الإسلامية في الأندلس وسيرة ابن خلدون والمتصوف ابن سبعين. في حين تناول في ثلاثية غرناطة لرضوى عاشور، مواضيع التاريخ والسرد واللاهوت، من خلال تحليل الثلاثية وربطها في سياقها التاريخي بعد سقوط غرناطة آخر ممالك المسلمين في الأندلس على يد الملكين فرديناند وإيزابيلا الكاثوليكيين وما تعرض له المسلمون بعدها من تنكيل وتقتيل وتهجير وتنصير. وفي روايتي يوسف زيدان عزازيل والنبطي كان التخييل التاريخي يعيد تشكيل تاريخ الأديان وما جرى من حوادث مهمة لها دورها في صياغة جزء من الصورة العقائدية المسيحية والإسلام. وتعددت المواضيع الأخرى المطروحة من تفكيك الهوية الطبيعية والتوثيق التاريخي في الأعمال التخيلية التاريخية كما في رواية ساق الغرب التي تناولت سيطرة الدولة السعودية الصاعدة في بداية القرن العشرين على جنوب شبه الجزيرة العربية وبالتحديد منطقة جيزان، وأما رواية بيروت مدينة العالم فقد عادت إلى القرنين التاسع عشر والعشرين من أجل البحث في بدايات وتطور ونشوء بيروت بعد أن كانت قرية صغيرة. الشق الآخر من الكتاب فهو دراسة عن النظرية الاستعمارية وما خلفته الحقبة الاستعمارية من آداب والتي عرفت بـ”الحقبة ما بعد الاستعمارية” -أو ما أُفضِّل تسميتها مرحلة ما بعد الاستقلال- وهي التي تدرس حال الأمم التي تعرضت للاستعمار وسعت إلى إعادة تشكيل هويتها وثقافتها ولغتها وصورت الأعمال الأدبية الصراع الذي كان نتيجة الاستعمار ما بين الأخذ بما انتجه الاستعمار أو إنكاره ونفيه وقطع الصلة به، هذه الأعمال التي أُنتجت في الحقبة الاستعمارية كُتب الكثير منها تحت إشراف المستعمرين أو من تأثر بهم، مما تأتّى عنه تهميش وإبعاد أي صوت آخر لا يوافق وينسجم بتناغم مع التركة الاستعمارية هذا الذي نتج عنه ما يسمى بدراسة التابع  Subaltern Study، هذه الدراسات التي سعت وعملت على تفكيك ما أُنتجَ في حقبة الاستعمار أو بعده وحمل ذات الفكر الإقصائي أو الممجد للاستعمار، ولاقت هذه الدراسات صداها في الأمم التي تعرضت للاستعمار سواء في الشرق أو إفريقيا أو الهند، وانتقل التأثير إلى أميركا الجنوبية وأستراليا، والتي سعى فيها الباحثون إلى إعادة الصياغة والتشكيل لتاريخ الأمم دون إقصاء أو تهميش وإعادة كتابة للتاريخ المزيف وفقا لدراسات أنثروبولوجية ثقافية واجتماعية وتاريخية وسياسية ودينية، وإعادة تعريف هوية المُستَعمَر- لا تابع مخنوق أو معدوم الصوت إنما صاحب صوت رئيس ومسموع، له الحق في التعبير عن نفسه ورؤاه. وفي حين شكلت النظرة الاستعمارية الاستعلائية نظرة ازدراء للآخر ويتناول هذه النظرة في رواية روبنسون كروزو وقصة إرض العميان، اللتين تفضحان الرؤية الاستحواذية التي تطمح إلى السيطرة وإخضاع الآخر بعدِّه كائنا أقل من الجنس الأبيض واستعباده وتشييئه إلى خادم وعبد، يعمل في الأرض ويسير وفقا لما يراه المُتسَعمِر، الذي يسعى إلى طمس هويته وثقافته وإبعاده عن أي موقع يسمح له بتقرير أمره وأمر أرضه. الروايتان العربيتان اللتان تناولتا هذا الموضوع والتركة الاستعمارية في البلاد المستعمرة هما رواية خريطة الحب ورواية واحة الغروب، إذ كشفا عن التفكك الذي أنتجه هذا الاستعمار في الهوية المحلية والتشتيت والتمزيق لبُنية المجتمع، ومحاولات طمس لهُويته وثقافته ولغته واستبدالها بهُوية وثقافة ولغة مهجنات، وإلباسه إياها رغما عنها، هذا الذي أنتج حالات من التشوه وخلق طبقة شائبة سعت الروايتان إلى تصوير هذه الحالة من خلال التخييل التاريخي ودمجهما في التاريخ المحلي لمصر في حقبة الاستعمار وما بعده.

***

أما الكتاب التاسع الأخير من الموسوعة فهو خاص بالفهارس والمراجع والمواضيع التي طرحت في الموسوعة ليرجع إليها الباحثون من أجل أن يسهل عملهم.

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى