سابع أيام الخلق

عبد الخالق الركابي


حجم الخط-+=

مؤمن الوزان

سابع أيام الخلق إحدى الروائع الأدبية العربية للروائي العراقي عبد الخالق الركابي، وهي الرواية الثالثة التي سبقتها روايتا الراووق وقبل أن يحلق الباشق، وتعد روايته سابع أيام الخلق واحدة من أفضل عشرين رواية عربية في القرن العشرين من قبل الاتحاد العام للكتاب العرب في دمشق، فضلا عن كونها من أفضل مئة رواية عربية في القرن العشرين -مرتبة ٧١- في القائمة التي نشرها الاتحاد العام للكتاب العرب في الرابع عشر من كانون الثاني يناير سنة ٢٠٠٠م. ولن أُبالغ بقولي إن هذه الرواية تحفة فنية ومن الروائع الأدبية العالمية سواء في سردها أو بُنيتها أو التركيب الزمني أو موضوعها المتداخل ما بين الماضي والحاضر وضربها على الوتر الحساس سواء في الجانب السياسي أو التاريخي أو التراثي أو الديني أو الاجتماعي، فضلا عن ذلك فإن ما طُرِحَ في أحداث (سير الراوية) أو (مخطوط الراووق) فيه من الرمزية والتورية ما جعل الكاتب يضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، مُثبتًا في هذا الجهدَ الذي بذله في كتابة وهندسة هذا العمل بإتقانٍ تام، إذ لملم أطراف روايته بمساريها بدقةٍ ولم تفته شاردة أو واردة، وكانت حواراته رغم جديتها مُطعمةً بذلك النفس الهزلي المازح الذي إن لم يُضحك الشخصيات فهو معد لإضحاك القارئ. وكذا الحال مع الأساليب الروائية لعصر ما بعد الحداثة حيث تعدد مستويات السرد وتعدد الساردين ولقاء الكاتب والشخصيات، بل ووعي الشخصيات بأدوراها، ولا يقتصر الأمر هنا فالرواية بالرغم من كشف بعض أسرارها ظاهريا فقد بقيت محتفظة بباقي الأسرار فما يُكشف لا يعدو أن يكون جزءا من كل سواء ما بقي مع السيد نور ومخطوط الراووق أو ما حمله معهم القيّمون على مزار السيد نور ولا سيما آخرهم ذاكر القيّم أو ما بقي في ذاكرة شبيب طاهر الغياث وأخذه معه وهو يودّع هذا العالم لا سيما وهو شخص شخصية مهم/ة في نشوء المخطوط وتطوره وكشف أسراره وفي سير الرواية وظهورها بهذا الشكل الذي يجد القرّاء أنفسهم أمامه. 

يمكن أن نقدم الرواية عبر جزئين اثنين الأول: الرواية/ سيرة رواية (سابع أيام الخلق) والآخر: مخطط الراووق. وجمع هذان الجزءان في ترتيب فصول الرواية عبر ترتيب لا يخرج من دائرة الصوفية والعرفانية والكشف، إذ يُقسم إلى سبعة كتب يحوي كل منها على سِفر و جزء من سيرة مخطوط الراووق خلا سِفر النون، والأسفار هي: سِفر ألف واللام والراء والحاء والميم والألف المحذوفة والنون والتي تشكل لفظ الجلالة الرحمٰن، وأجزاء المخطوط هي إشراق الأسماء وكتاب الإنيّة وإشراق الصفات وكتاب الهوية وإشراق الذات وكتاب الأحدية.

الرواية/ سيرة رواية: الرواية تمضي في مسارين الأول، وهو الذي يبحث فيه الراوي/ الشخصية (دور مزدوج) في/ عن مخطوط الراقووق الذي يمثل مادة روايته وينتهي بكشف كل ما يحتاج إليه لمعرفة مخطوط الراووق كاملا ثم إكمال روايته، وفي رحلة بحثه هذه يلتقي بعدة أشخاص/ شخصيات (دور مزدوج) ليساعدوه في إتمام عمله، ويتجلى أهمية هذا المسار، في عدة نقاط، منها كونه رواية وبذات الوقت يمثل سيرة الراوية وكيفية كتابتها وما واجهه الكاتب من مشاكل وعراقيل وكيف استطاع التغلب عليها، إذ الراوي يعرض نفسه وروايته في داخل الرواية، والثانية هي اللقاء بين الراوي وأشخاص  في حياته ستتحول إلى شخصيات في روايته مثل بدر وشبيب والشاعر وورقاء، وما يميز هذه النقطة هو التداخل ما بين زمني الراوية والواقع، واللذان هما في الأصل خياليين، إضافة إلى وعي الأشخاص أنهم سيكونون شخصيات روائية بل ويكون لهم دور في اختيار أسمائهم مثل شبيب طاهر بعد أن كان اسمه ثبيج لازم، هذا التداخل الواقعي والزمني وما بين الخيالي والواقعي والتفاعل بين الشخصيات، من السمات التي ميزت الرواية كونها مثالا واضحا وجليا عن سمات رواية ما بعد الحداثة، فالتقنيات التي استخدمها وحتى اخترعها الروائي بجعل شخصياته ومن ضمنهم الراوي نفسه في عالم رواية ثوري يستحق الدرس والقراءة والتحليل. وهذا المسار لا يكتمل من دون:

مخطوط الراووق: هذا المخطوط هو لب العمل والمحور الذي تدور حوله كل الرواية وشخصياتها ومسارها الأول، إذ يعد مخطوط الراووق هو البداية التاريخية لمدينة الأسلاف (مدينة الراوي) حيث السيرة المطلقية، وما حوته من من أقسام تكفّل الرواة بروايتها وقيّمو مزار السيد نور بالمحافظة على مخطوطها الأصلي الذي كتبه السيد نور والإضافة عليه فيما بعد، تنقسم السيرة المطلقية إلى أربعة أقسام:

١- القسم الأول من الخطوط هو ما يرويه عبد الله البصير. ولا يصل هذا القسم إلى الراوي إلا بعد أن يمر بسلسلة من الرواة الشفويين والكتابيين وهم تنازليا شبيب طاهر (كتابي) عن ذاكر  القيم (كتابي) عن قيمي المزار “مجهولون” (كتابي) عن السيد نور (كتابي) عن عذيب العاشق (شفوي/ سماعي) عن مدلول اليتيم (شفوي/ سماعي) عن عبد الله البصير (شفوي/ سماعي). 

هكذا يصل القسم الأول من المخطوط عبر سلسلة من الرواة أولهم شفويا عبد الله البصير وآخرهم الراوي، إذ أصبح الراوي هو آخر حلقات الرواة بالرغم من البعد الزمني بينه والراوي الأول (الشفوي أو الكتابي) ليكون نص الرواية هو نصل مكمل/ تام للمخطوط الذي ذاعت أخباره في أبناء مدينة الأسلاف حتى عرفوها. 

القسم الأول من المخطوط هو عن السيرة المطلقية، والخلاف ما بين مطلق والسيد نور. وزمن أحداث في مدة ماضية لم تُوضح بدقة لكن الأحداث تُثبت أنها إبان السيطرة العثمانية في جنوب العراق. 

٢- القسم الثاني من المخطوط هو ما يرويه مدلول اليتيم، بعد أن يستلم مهنة الرواية من معلمه عبد الله البصير، ويصل هذا القسم إلى رواي الرواية عبر السلسلة السابقة نفسها من الرواة ابتداء بمدلول اليتيم، ويروي في هذا القسم الثاني قصةَ ابن طارش وحبه لفتنة ابنة المعيدي ذياب. 

٣- القسم الثالث من المخطوط، وهو الذي يرويه عذيب العاشق ويصل إلى الراوي عبر السلسلة السابقة نفسها ابتداءً بعذيب العاشق،  وفيه يروي عن حياة أبناء مطلق السبعة وكيف سعى الأخوة الخمسة في تزويج ابن مطلق الثاني، جناح، وانتهى الأمر بزواج الجميع خلا نايف الابن الأصغر. 

بهذه الأقسام الثلاثة للسيرة المطلقية، يصبح لدى الجميع قصة معروفة عن السيرة المطلقية لشيخ عشيرة البواشق، لكن تعترضها عدة مشاكل أولها هو اختفاء القسم الرابع المحظور والذي يعرف بدكة المدفع، وثانيها هو كيفية الربط بين:

١- السيد نور هو معاصر لمطلق وأبنائه وأول من دوّن السيرة المطلقية كاملة و

٢- الرواة الثلاثة (عبد الله البصير ومدلول اليتيم وعذيب العاشق)، تروي الأقسام الأولى أن السيد نور هو من سمع عنهم. فكيف يكون أول كاتب ومعاصر للسيرة قد سمعها من رواة أخذوا السيرة من مخطوط السيد نور؟ هذا السؤال الذي حاول الإجابة عنه عدة شخصيات تمثلوا في الرواي وبدر ومحقق المخطوط شبيب طاهر الغياث، وساعدهم في الوصول إلى الربط كتابات ذاكر القيّم. 

٤- القسم الرابع من المخطوط، وهو ما يرويه السيد نور ويصل إلى الراوي عبر السلسلة السابقة نفسها ابتداءً بالسيد نور، وفي هذا القسم الختامي يتحدث فيه السيد نور عن دكة المدفع والمواجهة ما بين مطلق وبعض أبنائه لقوات الدرك التي انتهت بمأساوية. 

وبمعرفة القسم الرابع المحظور الذي سعى واجتهد الرواي وبدر في الحصول عليه، تكتمل السيرة المطلقية، والتي تخلل هذه الأقسام الأربعة قسمان مهمان تمثلا بقسم يرويه طاهر شبيب وعمله في تحقيق المخطوط الذي انتهى بحصوله على أوراق ثمانٍ بخط ذاكر القيم يرويها بنفسه عن المخطوط. هذا التنويع والتوزيع للمخطوط وتعدد رواتها ونصوصها الذين وصولوا مع رواية سابع أيام الخلق وراويها إلى سبعة نصوص وسبعة رواة، أعطى للرواية بعدا تحقيقيا بحثيا، زاد الفعالية وتألق هذا العمل، كُتبت فيه عشرات الدراسات والبحوث والمقالات النقدية من أبرزها ما كتبته الدكتور عبد الله إبراهيم في كتابه السردية العربية الحديثة الجزء الثاني، وفي موسوعة السرد العربي الجزء الخامس. 

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى