أربعة أسباب تدفع الكتّاب للانتقال إلى بيتسبرغ

كريستوفر كولينز


حجم الخط-+=

ترجمة: عبير علاو

يجب على الجميع كتابة قصيدة عن مطحنة الصلب.

ادعى الشاعر المحلي مايكل وورستر هذا الادعاء في أول قراءة شعرية حضرتها له، وقد علق ادعاؤه بداخلي كل هذه السنوات، عندما كنت مراهقًا متواضعًا ذا طموحات عالية في كتابة الشعر، أدهشني ذلك الجنون الصريح بأن تُرى بيتسبرغ مدينة إلهامه، فقد كنت أتوق إلى أن أكون كاتبة من بيتسبرغ لا كاتبة في بيتسبرغ. أما الآن وبعد مرور أكثر من 30 عامًا، أجد أنني أستطيع معرفة من أين جاءت هذه الفكرة لوورستر.

كان انهيار صناعة الصلب حدثًا صادمًا للمدينة وأثر كثيرا في حياتها اليومية، ففي عام 1950، كان عدد سكان المدينة 676806 نسمة، أما الآن وفقًا لآخر تقديرات التعداد السكاني للولايات المتحدة فقد بلغ السكان 30148. وحتى وقتنا الحالي، لا تزال مدينة بيتسبرغ تعاني من مشاكل حقيقية وخَطِرة جدا كالعنصرية، ونهاية مشاريع التحسين في شرقها، والبنية التحتية المتعثرة، وسوء جودة الهواء، إلا أن روح الصداقة الحميمية في المجتمع الأدبي للمدينة يوفر رؤية جديدة ومفعمة بالأمل لها.

ابتداءً من أوائل العقد الأول من القرن العشرين، شهدت بيتسبرغ تدفقًا أدبيا متنوعًا في عدد من الإصدارات والمنشورات التي أصبح بعضها بمثابة منصة للأصوات الشابة، تلاها ظهور عدد كبير من الناشرين مثل Speed & Briscoe وSix Gallery Press و Caketrain الذين ظهروا لتحدي تشدد أرثوذوكسية المطابع المحلية. استغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى فهمت أن وورستر لم يكن ليقدم جزافا تعليقًا غاضبًا في هذه المقطوعة الشعرية قبل عدة سنوات، ولكنه كان يمثل تحديًا للكتاب في هذا الصدد، فكتابة قصيدة عن مصنع للصلب يعلم الانخراط على نحو كبير جدا مع حياة المدينة، كون الكتابة في هذا الموضوع تعني دمج صوت المرء مع أصوات مؤلفين آخرين مثل، جون إدغار ويدمان، جاك جيلبرت، ويلا كاتر، جيرترود شتاين، مايكل شابون، لاري ليفيس، إثيرريدج نايت، آني ديلارد، تيرنس هايس، ماري روبرتس رينهارت، وغيرهم.

 وهنا لديك قائمة الأمور التي تحفزك كاتبا لأن تعيش في بيتسبرغ الأميركية:

1. وفقًا لرأي أوغست ويلسون، سر الأمر يكمن في أحياء بيتسبرغ:

كتب المؤرخ فرانكلين توكر في دراسته التي أجراها عام 2009 عن بيتسبرغ: “يكمن سر قوة بيتسبرغ في ضواحيها وأحيائها، صحيح أن لكل مدينة أحياء، لكن سكان بيتسبرغ يعاملون الزوار بأريحية كما لو أنهم يعرفونهم من قبل، … لذلك ساعدت تلك الحياة على إبقاء بيتسبرغ واقفة على قدميها خلال انهيار صناعة الصلب وعقود التذبذب الاقتصادي التي تلت تلك المرحلة، فكانت قوتها وتكاتف مجتمعاتها سببًا لحمايتها من الغرق”. إذا كنت تبحث عن تأكيدًا فإليك لمحة عن الحياة المذهلة والمميزة في أحياء بيتسبرغ المتمثلة في أضواء النيون والحانات المليئة بالمرح في الجنوب والسحر المنبعث من صف المنازل الريفية في شوارع الحرب المكسيكية في الشمال، إضافةً إلى عروض الكاتب المسرحي الحاصل على جائزة بوليتزر أوغست ويلسون، إذ تشهد أرجاء بيتسبرغ عشرة عروض مسرحية تؤرخ التجربة الأمريكية الإفريقية في القرن العشرين تقام جميعها -ماعدا واحدة- في حي ويلسون بإقليم هيل. وإذا ما كنت بحاجة إلى المزيد من الإلهام فما عليك إلا أن تحضر أداءً لإحدى مسرحيات ويلسون في الفناء الخلفي للمنزل الذي قضى به طفولته في جادة بيدفورد 1727.

2. شرطي وفنان يدخلان حانة!

شهد هذا العام وفاة اثنين من الرجال البارزين الذين لعب كل منهم دورًا مهمًا في جعل مدينة بيتسبرغ مدينة الكتاب المذهلة. لعب جيمي كوفيتش العديد من الأدوار في حياته،  فعلى سبيل المثال لا الحصر كان محاربًا قديمًا في فيتنام، ومحققًا في قضايا قتل، ومدربَ ملاكمة، لكن لدى كتاب بيتسبرغ يعدُّ جيمي كوفيتش ضيفَ أطول الجلسات القرائية في المدينة، ففي كل صيف في الغرفة الخلفية المليئة بالحياة الواقعة في حانة جامعية في أوكلاند، يجمع جيمي بعضًا من أفضل الكتاب في المدينة، وكذلك الزوّار العَرضيين غير المحليين من أجل جلسات  مجموعة همنغواي للشعر. وفي جو شعري عذب وسط حُجرة ذات ألواح خشبية وسجاد ثخين، يلقي الشعراء قصائد عميقة وحرّة المواضيع. وبقيت جلسات المجموعة مستمرة بعد وفاة جيمي. أما تشاك كيندر فكان في طريقه ليصبح روائيًّا محفوفًا ببعض المنعطفات الجنونية، بما في ذلك إطلاق النار في عدد من عمليات السطو المسلح -أربعة سيارات أجرة وثلاث حانات حسب إحصائه!-، وتدور روايته The Honeymooners عن قصصه ومغامراته مع ريموند كارفر، درَّس تشاك الكتابة في جامعة بيتسبرغ منذ 1980 وحتى 2014، إلا أن أبرز ما قام به أنه أعطى الكُتَّاب الشباب الفرصة والتشجيع للبدء في كتابة قصصهم الخاصة، ففتح منزله ليكونا صالونًا لا يغلق بحيث يمكن للطلاب الاختلاط بالكتاب الزائرين له، مما أتاح لهم الكثير من أبواب الإبداع، فكان من السهل أن نرى كيف قام طالبه السابق مايكل تشابون بنمذجة شخصية غرادي تريب في روايته Wonder Boys After Kinder. غرس كليفت وكيندر الشعور بالمجتمع في المشهد الكتابي، لقد كانوا أشخاصًا مضحكين وغريبين وعاطفيين ممن أحبوا الكتابة دون ادعاء أو تمثيل، فأدى ذلك إلى تلوين الحس الكتابي في المجتمع دون أية محسوبيات، في بيئة داعمة ومفتوحة ومرحبة بأصوات جديدة.

3. بيتسبرغ هي Littsburgh (ليتسبرغ)

Littsburgh هو موقع على الإنترنت مخصص لتوثيق مجتمع بيتسبرغ الأدبي المتوسع باستمرار، وقد أُطلِقَ الموقع في عام 2015 من قِبل ثلاثة متخصصين في مجال النشر، هم: راشيل إيكستروم كرينج، ونيك كرينج، وكاتي كورتزمان، الذين قدموا من نيويورك للعيش في بيتسبرغ، وخلال وقت قصير أصبح Littsburgh نافذة مطلة على الحياة الأدبية في بيتسبرغ فمنه يمكنك الحصول على أحدث الأخبار والأحداث في بيتسبرغ الأدبية، إذ تُحدَّت أخبار النشر، واقتباسات الكتب، والمقابلات يوميًا. من تصفح سريع لموقع Littsburgh تجد أنه يكشف عن كثرة الأحداث الأدبية التي تحدث في المدينة، ففي كل ليلة تقريبًا تعقد جلسات قرائية، حوارات ارتجالية متاحة للجميع، ومناقشات متكررة تستضيفها جهات مثل The Bridge Series، Staghorn، Laser Cat، Nasty Slam، Hell’s Lid، Madwomen of the Attic. إضافة إلى إسهامات الناشرين المحليين والصحف مثل: Creative Nonfiction، After Happy Hour Review، Fourth River، Lilliput Review، Hyacinth Girl Press، Hot Metal Bridge، Pretty Owl Poetry، والقائمة تطول!

4. “مصنع الغيمة” حقيقي!

لعل من أبرز المعالم الأدبية في بيتسبرغ هو “مصنع الغيمة”، وهو مصنع بيلفيلد للغلايات الذي يقع خلف متحف كارنيجي في رابطة جامعة بيتسبرغ  وحرم جامعة كارنيجي ميلون، وقد بُني في عام 1907 لتوفير حرارة البخار للمباني التي تضم متحف كارنيجي للتاريخ الطبيعي، ومتحف كارنيجي للفنون، والفرع الرئيس لمكتبة كارنيجي في بيتسبرغ. اكتسب المصنع اسم “مصنع الغيمة” من رواية مايكل تشابون “أسرار بيتسبرغ The Mysteries of Pittsburgh” حيث تدرس شخصية آرثر ليكومت -بطل الرواية- المعالم المحلية: “نعم، مصنع الغيمة، ألم تلاحظه من قبل؟ فعندما تمشي عبر جسر شنلي بارك، هناك، من المنتزه إلى أوكلاند، تمر على مصنع الغيمة، كنا نتساءل ما الذي ينتجه هذا المصنع، لماذا هذه السحب العظيمة بيضاء ونظيفة تمامًا، بيضاء تمامًا كأنها كرات بيسبول جديدة تخرج من هذا المبنى عبر مسارات معينة، كنا أنا وكليفلاند عائدين من المدرسة ثملين وقد أخرجنا ربطات أعناقنا بالقرب من مصنع الغيمة وهو يُخرِج مجموعة جديدة من هذه الغيوم البكر”.

لقد رأيت المبنى الذي ذكره مايكل تشابون مليون مرة، وقد كان بالفعل مصنعًا للسحابة، ولا شيء آخر. في هذه الرواية، يأخذ تشابون بقايا من الماضي الصناعي للمدينة وعن طريق الكيمياء اللفظية يجعل منها قطعة فنية رائعة. وقد قدّمت “قصيدة البيت” شيئًا مماثلاً حين كتبها الكاتب الصيني المنفي هوانغ شيانغ في مدينة نفيه، حيث حول حياة إقامته في الجهة الشمالية إلى قصيدة رائعة.

وفي بيتسبرغ أيضًا ألهمت السلالم العامة للمدينة والبالغ عددها 800 سلم الشاعرة باولا كورسو لإنشاء Steppin ‘Stanzas، وهو مشروع طموح يعيد بلورة الرحلات الضيقة التي يخوضها المرء داخل هذه السلالم لتكون مواقعَ للقراءة والقراءة الفنية والعروض الموسيقية.

وهذه هي المهمة التي انتقلت إلى كتّابنا، والطلب الذي طرحناه بتخيل بيتسبرغ جديدة، وتحويل أحلام هذه المدينة إلى واقع بكلماتهم.

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى