هوس الشهرة وتشيخوف

قصة فرحة


حجم الخط-+=

مؤمن الوزان.

يكاد يكون البحث عن الشهرة في العصر الحالي أقرب لمرض اجتماعي وهوس جماعي، فما بين مدون ويوتيوبر وفاشنست وصانع محتوى ومحلل رياضي وشاعر وكاتب وناقد، الجميع يبحث عن الشهرة وأي شهرة وكيفما كانت ومهما كان الثمن، فهناك الملايين حول العالم يبحثون عن الشهرة حتى لو كانت على حساب الآخرين ومعاناتهم ومآساتهم بل وحتى على كرامتهم وماء وجوههم؛ فهم يُريقونه لأجل أن يُصبحوا معروفين، وأعطت وسائل التواصل الاجتماعي الفرص وجعلتها سانحة للجميع، فاختلط الغث بالسمين، والنافع بالفاسد، والراقي بالتافه. لكن هل هذا الأمر جديد؟ الأمر لا يبدو كذلك فأول من تفطن لهذا الأمر وطرحه بقصصه -حسب اطلاعي*- كان أنطوان تشيخوف في إحدى قصصه التي كان عنوانها “فرحة**” التي نشرها في بدايات مشواره الأدبي. وهي القصة التهكمية الساخرة الذي يصور بها تشيخوف فرحة الغلام ميتيا كولداروف الذي ظهرت صورته في أحدى الصحف، والسبب لندع تشيخوف وميتيا يخبرانا به: 

كانت الساعة الثانية عشر ليلا. 

اندفع ميتيا كولداروف إلى شقة والديه منفعلا منفوش الشعر، ومضى يروج ويجئ بسرعة في جميع الغرف. وكان الوالدان قد أويا إلى الفراش. ورقدت أخته في سريرها تقرأ آخر صفحة في الرواية. أما إخوته فكانوا نائمين. 

وقال والداه بدهشة: 

من أين جئت ماذا بك؟ 

أوه، لا تسألا! لم أكن أتوقع أبدا ذلك! كلا، لم أتوقعه أبدا! إنه.. إنه غير معقول! 

وقهقه ميتيا، وجلس في الفوتيل وهو لا يقوى على الوقوف من فرط السعادة. 

هذا غير معقول! لا يمكن أن تتصوروا! انظروا! قفزت أخته من الفراش، وأسدلت على كتفيها البطانية واقتربت من أخيها. واستيقظ التلاميذ. 

ماذا بك؟ إنك شاحب جدا! 

هذا من الفرحة يا ماما! فالآن أصبحت روسيا كلها تعرفني! كلها! من قبل لم يكن أحد غيركم يعرف أنه يوجد في الدنيا المسجل الاعتباري (أدنى الرتب في روسيا القيصرية) ديمتري كولداروف، أما الآن فروسيا كلها تعرف ذلك! ماما! يا إلهي! 

قفز ميتيا، وجرى في غرف البيت ثم عاد إلى مجلسه. 

لكن ماذا حدث؟ هل أوضحت لنا! 

إنكم تعيشون كالوحوش البرية، لا تقرأون الصحف، ولا تهتمون أبدا بما ينشر، بينما في الجرائد أشياء رائعة! فإذا حدث شيء يصبح معروفا على الفور، ولا يخفى أبدا! كم أنا سعيد! يا إلهي! الجرائد لا تكتب إلا عن مشاهير الناس فقط، وإذا بهم فجأة يكتبون عني! 

ماذا تقول! أين؟ 

امتقع الأب. ونظرت الأم إلى الأيقونة ورسمت علامة الصليب. وقفز التلاميذ في قمصان النوم القصيرة فقط واقتربوا من أخيهم الأكبر.

وأخرج ميتيا من جيبه عددا من جريدة وأعطاه لأبيه وهو يدس إصبعه في موضع محاط بخط قلم أزرق. 

اقرأ! 

وارتدى الوالد النظارة. 

هيا اقرأ! 

ونظرت الأم إلى الأيقونة ورسمت علامة الصليب. وتنحنح الأب وشرع يقرأ: 

“في 29 ديسمبر، في الساعة الحادية عشر مساء كان المسجل الاعتباري ديمتري كولداروف.. 

هل رأيتم؟ هل رأيتم أكمل! 

.. كان المسجل الاعتباري ديمتري كولداروف خارجا من الحانة الواقعة في شارع مالايا برونايا، في منزل كوزيخين، وهو في حالة سكر.. 

شربت مع سيمون بتروفيتش.. وصفوا حتى أدق التفاصيل! أكمل! بعده! اسمعوا! 

وهو في حالة سكر فزلت قدمه وسقط تحت حصان حوذي كان واقفا هنا، ويدعى إيفان دروتوف من قرية درويكينا بناحية يوخنوف. وذعر الحصان فخطا من فوق كولداروف وسحب من فوقه الزحافة التي كان جالسا فيها ستيبان لوكوف التاجر من الدرجة الثانية بموسكو، وانطلق عبر الشارع وتمكن البوابون من الإمساك به. ونقل كولداروف الذي كان فاقد الوعي إلى قسم الشرطة حيث أجري له كشف طبي. واتضح أن الضربة التي تلقاها في مؤخرة رأسه.. 

إنها من اصطدامي بذراع الزحافة يا بابا. اقرأ بعد ذلك! 

.. التي تلقاها في مؤخرة رأسه تعتبر من الضربات الخفيفة. وقد تم تحرير محضر بالواقعة. وأجري للمصاب إسعاف أولي..” 

نصحوني بأن أبلل مؤخرة رأسي بالماء البارد. 

حسنا، هل رأيتم؟ هه؟ هكذا! الخبر الآن سينتشر في روسيا كلها! هات الجريدة! 

وخطف ميتيا الجريدة وطواها، ودسها في جيبه. 

سأسرع إلى آل هكاروف لأريها لهم.. ينبغي أن أريها لآل إيفانيتسكي، ولنتاليا إيفانوفنا، ولأنيسيم فاسيليتش! أنا ذاهب! وداعا! 

وارتدى ميتا العمرة ذات الشريط المعقود وانطلق إلى الشارع منتشيا فرحا. 

*** 

وأنتم هل رأيتم؟

فكم بيننا من أشباه ميتيا من يظنون كل شيء شهرة، ويفعلون كل شيء ليقنعوا أنفسهم بأنهم أضحوا مشهورين! 

*حسب اطلاعي فهذا أول توصيف أدبي لموضوع الشهرة والبحث عنها في الأدب، فإن كان هناك من سبق تشيخوف، فاذكروه متفضلين. 

** الأعمال المختارة – الجزء الأول – ترجمة أبو بكر يوسف.

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى