اكتب عما لا تعرفه: كلية  الدراسات العليا، والبحث، وكتابة الرواية

نيشانت باتشا


حجم الخط-+=

 ترجمة: فلاح حسن

بحلول نهاية الفصل الأول من دراستي الدكتوراة في التاريخ، كنت على يقينٍ من أنني سأرحل. شعرت وكأنني لا أنتمي لهذا المكان، وأحسست كما لو أنني كنت طالبا في الفصل الخطأ، بقيت على هذا الحال أسابيعَ، وقررت أن ألعب على طول. الكسل والعجز في القرار يمنعاني من العثور على المكان المناسب. لقد كنت وها أنا ذا كاتب روائي باهتمامٍ عميقٍ وثابتٍ في التاريخ، لكنني لم أكن متأكدًا ما إذا كان ذلك السبب كافياً لكي أبقى في برنامج الدكتوراة. دخلت المعهد العالي كاتبا، كان هذا عام 2011 وقد نشرت مقالتي الأولى في موقع The Awl كما كنت قد كتبت 50 صفحة من رواية. عندما أفكر في قراري ببدء شهادة الدكتوراة في التاريخ، أتذكر المقالات في MFA) NYC.vs) واتَّضح أن شهادة الدكتوراة في مدينة نيويورك كانت خيارًا ثالثًا. إنه ليس مسارًا شائعًا، ولكنه ليس أمرًا لم يسمع به أحد. قبل نشر روايته “المدينة المفتوحة” كان تيجو كول منتظمًا في برنامج تاريخ الفن في جامعتي.

لماذا اخترت الدخول إلى كلية الدراسات العليا وتخصص التاريخ؟ أنا لا أزال غير متأكد. لقد كان برنامجًا ممولًا بالكامل، مما يعني أنه يدفع لي لقضائي الوقت في المكتبات الجميلة والسفر من أجل البحث. أفترض أن هذه الأسباب كانت جيدةً كفاية. بصدق، يمكن للدكتوراة أن تكون مكانًا رائعًا لكتابة رواية. ففيها أبدعت مارلين روبنسون نصوصا مما سيصبح لاحقا رواية “التدبير المنزلي” حين كانت في كلية الدراسات العليا – جامعة واشنطن. وقد كتبت مارلين في وقتٍ لاحقٍ أن التغرب والانعزال هو أساس الإبداع: فهو يركز على العقل ويعطينا الهدوء اللازم. أستطيع الآن أن أرى أن دراستي للتأريخ قد أعطتني المساحة لكتابة ما لا يمكن أن يذكره التاريخ أبداً. أعطتني لحظاتي التي قضيتها وحيدا في المكتبات ودور المحفوظات فرصةً لإيجاد حياةٍ هادئةٍ كل يوم. ومع ذلك، فقد شعرت أنه من الصعب موازنة المعهد العالي مع كتابة الرواية بدلاً من الموازنة بينهما، اعتقدت أنه قد يكون من الأسهل الهروب إلى أحدهما. في مثل هذه الحالة، أرسلت رسائل بريدٍ إلكتروني خجولةً إلى بعض الكتّاب الذين دخلوا برامج الدكتوراة وسألتهم عما إذا كنت سأبقى أم أذهب. أعطيت أفضل نصيحةٍ لي من قبل الكاتب الهندي سيدهارثا ديب أخبرني أن الدكتوراة قد أتاحت له الفرصة لقراءة الأشياء التي لا يقرأها أحد، والكتابة بلا شكٍ ستكون أكثر تشويقٍ بكثيرٍ مما يمكن أن تقرأه بنفسك.

لقد كان على حق. أخذني عملي في الدراسات العليا من فيجي إلى ترينيداد، قرأت عن حياة وقصص الهنود الكادحين، الذين أخذهم الكدح الذي لا يهدأ عبر المياه المظلمة إلى حياةٍ جديدةٍ من الأمل ومن اليأس الذي لا يمكن تخيله. لقد كان في  تجربة السفر هذه بمفردي، وقضاء ساعاتٍ طويلةٍ من الصمت، من هنا بدأت كتابتي في الحصول على التركيز المطلوب. فطرحت الصفحات المائة الأولى من الرواية التي بدأتها قبل دخولي برنامج الدكتوراة. قرأت وسافرت أكثر وأتممت 225 صفحةٍ أخرى من روايةٍ ثانية. لقد أعطتني مدرسة الدراسات العليا أكثر من فرصة الوصول إلى المخطوطات والأرشيف، لقد أعطتني هديةً ثمينةً ألا وهي وقتٍ كافٍ للكتابة والمراجعة. يجد البعض هذا محيرًا، كيف يمكن أن توفر دراسة الدكتوراة في التاريخ الوقت الكافي لكتابة رواية؟ أنا ومثل معظم طلاب الدراسات العليا، تعلمت كيفية تطوير الحساسية (السسترسية) ففي هذه الفلسفة يُعرَّف معنى الحياة من خلال العمل فقط، حيث صار بإمكاني تحديد جدولٍ زمني للقراءة والبحث والكتابة والصلوات لإنجاز كل ذلك. أخذت قليلا من هذا الانضباط الذاتي ووجدت أنني عادةً ما أمضيت ساعتين أو ثلاث ساعاتٍ للكتابة في الصباح، مباشرة بعد الاستيقاظ، عندما تكون أفكاري صافيةً وبلا تشويشٍ من الملهيات، إذ لا تزال تحميها شرنقة نوم ضبابية. هذا الروتين ساعدني كثيرا، فإذا لم أكتب في الصباح فقد أواجه توتراً مزاجياً يلازمني لبقية اليوم. منحتني كلية الدراسات العليا الوقت الكافي للكتابة، لكنها لم تخبرني أبداً كيف أكتب. ذكرتني فلانري أوكونور أن الخيال يبدأ بما نمر به ونختبره عادةً. فقد قالت: “إن الميزة الأولى والأوضح للخيال أنها تتعامل مع الواقع من خلال ما يمكن رؤيته وسماعه وشمه وتذوقه ولمسه”. إنها من النصائح التي يجب أن يؤخذ بها دائما. إن هذا الحث على البقاء مخلصا لعالمٍ مرئي ملموسٍ يمكن أن يقودني إلى خاتمةٍ بالية، هي الكتابة عما أعرفه. إن ما يعرفه الشخص مليءٌ بنوعٍ من الذكريات الحسية التي يمكن في بعض الأحيان أن تصنع قصصًا خياليةً جيدة. أما لشخصٍ لديه خلفيةً في البحث الأكاديمي، فقد كانت هذه الفكرة مرعبة. إذا كنت سأكتب تاريخًا مما عرفته، فإن أعمالي ستكون قصيرةً جدًا ومملةً بنحوٍ لا يمكن تصوره. أما لشخصٍ لديه مصلحة أكيدة في هذا العالم، فإن الكتابة مما أعرفه ليست خيارًا جيدا. كنت بحاجةٍ إلى القليل من الثقة، كنت بحاجةٍ إلى أن أقفز في عالمٍ مجهولٍ إلى ما هو أبعد من رؤيتي.

ما أحتاج إليه هو المزيد من البحث. الحمد لله، فقد علمتني كلية الدراسات العليا خصوصيات وعموميات ذلك. وأنتجتُ ثلاثية “قوس من الحزن والعزلة”، ترصد هذه الرواية بوضوحٍ حينما انقلبت حياة الناس إثر الكارثة والصراع العالميين في منتصف الثمانينيات. كانت شخصياتي أناسًا عاشوا حياةً مختلفةً جذريًا عن شخصيتهم، عالم نباتٍ افتراضي  في بلدٍ خيالي في جنوب المحيط الهادئ. مهاجرٌ يعمل في الدراسات العليا في الرياضيات في الغرب الأوسط الأمريكي، وقد توقفت حياته اليومية بسبب مأساة الإرهاب. كتابة قصصهم يعني بناء عوالمهم الأخلاقية والواقعية، قطعةً بعد قطعة. جزءٌ من هذه العملية كان أساسيا في عمل الكتابة. إذ اضطررت للجلوس يومًا بعد يوم للبحث عن الشخصيات في الصفحات. كانت تلك لحظاتٌ من التركيز والعزلة وشريكتي الوحيدة فيها قطة نائمة تتنفس بنعومةٍ في الغرفة المجاورة. قعدتُ ذات مرةٍ على طاولة المطبخ أتحدث بصوتٍ منخفضٍ وكأنما أجري مقابلةً مع إحدى شخصياتي لأتعلم منها كل ما يمكنها أن تخبرني به، تخيلتها بعتمة بصري كما لو كانت تحمل فنجاناً من الشاي وقاعدة أمامي. شخصياتٌ مثل تلك يجب دائمًا أن يكون لها مكان في هذا العالم. ولبناء ذلك تطلّب مني أن أفعل ما أملاه علي تدريبي الأكاديمي. لقد جربت “جيستور JSTOR” وطفت خلال كومات الكتب في المكتبة التي تعتمد على فهرس مكتبة الكونجرس لتعرفني بالكتب الجديدة وذات الصلة، وقد دونت على كل الصفحات المهمة ملاحظاتي: ورقةٌ مدسوسةٌ في مجلدات مانيلا، وبعض مجلداتٍ بصيغة وورد، وشخبطاتٍ في الهوامش.

أصبحت هذه المهام سهلة لي الآن. فبسبب خلفيتي البحثية أدركت أنني لم أعد أخاف من الذهاب من المستوى صفر إلى 60 أو 80 أو 100 في أي موضوع. لقد مُحيَ كلُّ خوفٍ ومعتقدٍ بأنني لا أستطيع، بسهولة حوَّلتُ الخوف إلى دافعٍ للقيام بالمهام. كيف كانت تبدو دلهي في 1980؟ ابحث وعلق مستعينا برحلةٍ مصورة. كيف يفكر عالم النبات؟ ابحث عن مذكرات وتدوين الملاحظات في كل منعطف. ما لعبة البيسبول التي كانت ستذاع في حانة (غير مسماة) في سان فرانسيسكو في منتصف أغسطس 1985 في الساعة 5:00 في المساء؟ تحقق من أرشيف الصحيفة للحصول على ملخص. لكن تخصصي بمهنة مؤرخ لم يكن سهلا إطلاقا، إذ لم تكن مهمتي هي العثور على الحقائق وجمعها من قاع الغابة. 

لقد صادفت مقالات “دليل الخبرة” لجوان سكوت أول مرةٍ حين كنت طالبا جامعيا، ولكنني عدت وقرأته مراتٍ ومرات في كلية الدراسات العليا. ففي هذا المقال تدعو المؤرخين إلى تناول التجربة ضمن سياقها التاريخي وتوضيح أن الواقع ليس علاقةً غير مدمجةٍ بين الكلمات والأشياء. فالتجربة والواقع يخضعان للسياق والخصوصية. فالمرئي ليس مطلقا بالضرورة. أما إيستر فورستر فقد عدَّت المؤرخ والروائي مخلوقَين مختلفين، وقالت: “من المفترض أن كل تلميذٍ بريطاني يعرف أن المؤرخ يدون في حين أن الروائي لا بد وأن يبدع”. إن هذا الاختلاف لا يصمد إلى حدٍ كبيرٍ تحت التمحيص. يمكن أن تكون حرفة المؤرخ والكاتب واحدةً والشيء نفسه. كانت التجارب التي جمعتها في الملاحظات والهوامش البحثية بعيدةً كل البعد عن التاريخ الدقيق. إذا أخذنا تذكارا شفافا للزمان والمكان فإن بحثي عن الخيال قد يكون عبارةً عن فوضى تجارب غير مصفّاة مأخوذةٍ من مكانٍ واحدٍ وتدفقت عشوائيا في عقول شخصياتي. اضطررت إلى تقسيم كل فرعٍ من الأبحاث، تفهم ضروراتهم الأساسية وإعادة تحويلها إلى مشاهد وأصواتٍ وروائح وأذواقٍ ولمساتٍ من شخصياتٍ محددةٍ على صفحاتٍ محددة، أحصل عليها بسرعة والحصول عليها بنحوٍ  صحيح. عندها فقط يمكن أن يُظهر المرء أعلى نوعا من العدالة في الرواية. عندها فقط يمكن خلق عالمٍ ما. 

في النهاية، يمكن أن تكون خيوط البحث متماسكةً ومحبوكةً في الرواية، فقط من خلال اليد الماهرة التي يوجهها عقلٌ موهوب. يمكن أن تستغرق هذه المهمة أيامًا أو أسابيع أو حتى سنوات. أشتاق إلى كليات الدراسات العليا، الأيام التي لا نهاية لها. بالنظر إلى سنواتي الست المنصرمة، أرى ممارسةً مستمرةً في العثور على شخصياتي في العالم. كانوا دائما هناك: في المحفوظات والأرشيف، في زوايا الشوارع وفي سوفا وميناء إسبانيا، مدسوسون في مقالاتٍ في مجلاتٍ غامضةٍ لم يقرأها أحدٌ غيري. لست متأكداٍ مما إذا كان يمكنني أن أوصي بهذه الطريقة لأشخاصٍ آخرين، أحسب أن هناك طرقًا أسرعَ لجمع القصة وتكوين الرواية. لكنني لن استبدل هذه التجربة بالعالم أجمع.

قد تقول: غادرت الأكاديمية بعد أن أنهيت درجة الدكتوراة، وساعات الصباح التي لديك للكتابة أقل، لا يهم.

كما يعرف أي باحثٍ هناك دائما كتابٌ آخر، دائما مادةٌ أخرى، دائما جزءٌ آخر من المعلومات لم ينظر فيه بعد. ولكن هناك لحظةٌ يجب أن تتوقف فيها محركات البحث عن الدوران ويجب أن تتوقف الماكينة. في الصمت التالي، كل ما تبقى هو الكتابة، ليس فقط بالكفاءة بل بالرؤية الواضحة كوضوح الماء الصافي في نهارٍ مشرق. هذا بقدر ما أعرف هو شيءٌ نادرٌ إن وجد في البحث.  

 

جايستور JSTOR: مكتبة رقمية تأسست في عام 1995. تحتوي على نسخ رقمية للأعداد السابقة من المجلات الأكاديمية، تشمل أيضا الكتب والمصادر الأولية والإصدارات الحالية من المجلات والدوريات العلمية وتوفر البحث في النص الكامل لأكثر من 2000 مجلة ودورية، أكثر من 8000 مؤسسة في أكثر من 160 دولة تستطيع الولوج إلى JSTOR.

كاتب المقال: نيشانت باتشا كاتب قصص ومقالات نشرت في Tri Quarterly، The Offing Caribbean Review of Books وهو يراجع حاليًا روايته الأولى.

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى