فلسفة اللحى

فلسفة اللحى: محاضرة فسيولوجية، وفنية وتاريخية أعدها توماس جوينج عام 1875 للميلاد (Ipswich: J. Haddock.)


حجم الخط-+=

ترجمة: عبير علاو

 

 

شعر توماس جوينج بأن اللحية الإنجليزية القوية والكثة باتت مهددة بالانقراض ليحل مكانها أشكالا جديدة للحى مستمدة من الحلاقة؛ فبدأ دفاعًا شديدا عما أسماه “الثدييات فروية الوجه” بكل طريقة يمكن تصورها؛ فحصدت المحاضرات التي قدمها في إبسويتش* ردود فعل تأييدية من الجمهور الحاضر مما كان سببًا في أن تُحوَّل إلى كتاب عنون بِـ “فلسفة اللحى” (1854) والذي عُدّ أول كتاب مختص في هذا الموضوع.

بحماسة، يعتقد جوينج أن الأشخاص الملتحين يعدون أفضل من حليقي الذقن في المظهر العام والسلوكيات الأخلاقية وحتى في ماضي الشخص وتاريخه، بل إن من شدة تعصبه لهذا الأمر لن ينصفه حتى لقب “المعجب الكبير بأجزاء الذقن”، إذ يقول :”إنه لمن المستحيل أن تنظر إلى لوحات لأشخاص ملتحين دون أن تشعر بما يمتلكونه من الكرامة والمهابة والوقار والاستقلال والحيوية والكمال” وعلى النقيض من ذلك فإن مظهر الرجل نظيف الوجه -حليق الذقن- يجعله يشعر بِـ “العري المبتذل الزائف”.

إن دفاع جوينج عن اللحى يخلق عدة مناشدات للطبيعة، بعض منها يكون -بأعجوبة- صعب المنال، إذ يقول :”إن الطبيعة لا تترك شيئًا غير مغطى ما لم يكن جميلًا، ونادرًا ما يكون الذقن الذكري جميل لأنه خلق ليُغَطّى، في حين أن ذقون النساء عادةً ما تكون جميلة”، وفي بعض الأحيان يتحول جداله ودفاعه عن أنَّ اللحى درعٌ ووقاية للذقن إلى انتقاد شديد وحاد للذقن فيقول: “إنه لمن النادر أن تجد كائنا مثيرا للإشمئزاز أكثر من رجل عجوز حليق اللحية” (في مقابلة يستعرضها بين الرجال الأتراك حليقي الذقن والحمام المنتوف الريش).

كان جوينج يكتب في العصر الذي ما زال فيه علم الفَراسة -فن قراءة شخصية المرء من ملامح الوجه- رائجًا في أمريكا وأوروبا، لذا فليس من المستغرب أن نعلم أن “غياب اللحية علامة على الضعف الجسدي والأخلاقي”، كما يستهدف جوينج النظرية القائلة بأن “اللحية أمر غير صحي” بسبب ميلها لاصطياد الجسيمات المتعفنة بأن “وجود اللحى في الحدادين الأجانب والبنائين أمر مهم جدا لكونها تقوم بحماية الرئتين من خلال إمساك الغبار المحمل بالجص والمعادن لئلا ينتقل إلى داخل الجسم”.

وفي المقطع الأخير؛ ربط جوينج اللحية بالتاريخ الماضي القديم والحديث فقفز بين آلاف السنين مستعرضًا عوامل الضعف والقوة فيه من حيث الجوانب التي تفتقر إلى الشجاعة أو الجبن أوالبطولة والخداع.

إن استعراض جوينج للتاريخ من منظور اللحية يجعل الأمور لطيفة وبسيطة، فمن تعبيراته في إظهار جوانب القوة والضعف والأخلاق لبقاء اللحية من عدمها: “هزم النبلاء الشجعان الملك جون، وكانت النتيجة ميثاق (ماجنا تشارتا)**”، “عندما حلق هنري السابع لحيته قام بسلب شعبه”، لقد سمح نابليون فقط للرجال الذين في امبراطوريته أن يمتلكوا لحية امبراطورية؛ وهي لحية على شكل مثلث مقلوب، طريقةٌ لإعلامه أنهم “يمتلكون حصة صغيرة في الامبراطورية”.

وفي نهاية دفاعه عن اللحى؛ أبدى جوينج المزيد من الرفض للاعتراضات الرئيسة التي سمعها ضد اللحى أو ما أسماه “ستارة الذقن”، ففي رأيه أنه ليس من الإنصاف أن نقول إن اللحية نجسة وغير نظيفة إذ إن حلقها يستغرق وقتًا أطول من تنظيفها.

وعلى كل حال، “عملية تمشيط اللحية وفركها تعطي إحساسا إيجابيا مفعما بالبهجة، شبيهًا بذلك الإحساس الذي تشعر به القطط عندما يمسد المرء شعرها وليس كما يشاع بأنها عملية مملة ومريبة ومؤلمة -كالحلاقة-“.

أخيرًا نبذ جوينج “التشهير الفاسد” لفكرة أن السيدات غير مولعات باللحى، فصرح -دون الاستناد إلى أي نتائج ملموسة- أن “السيدات -بطبيعتهن- يحببن كل ما هو رجولي، وسرعان ما يقعن في تأثير ذلك السحر المتدفق من اللحية بتجعيداتها الفاتنة”.

يبدو جليا لنا الآن أن “فلسفة اللحى” كتاب خاص بوقته وزمانه، وفي حين إننا نجد أن الكتاب متمحورًا حول الذكور والرجال المعتزين بذكوريتهم -الإنجليز منهم بنحوٍ خاص- وتركيزه على منطقة الذقن؛ فإنه أيضا غريب الأطوار أكثر من وجود لسان صغير في خد مليء بالشعر!

ورغم أننا لم نتمكن من إيجاد صورة لتوماس جوينج، فهناك ما يدعو للاعتقاد بأنه عندما كتب كتابه كان يختبئ وراء سجادة كثة من الشعر حول فمه زوجًا من الشفاه المبتذلة والمتكلفة الابتسام!

إذا كنت ترغب في الحصول على نسخة من The Philosophy of beards، فإن المكتبة البريطانية قد أعادت نشره في عام 2014، وذلك للمرة الأولى منذ عام 1854.

 

 

* مدينة تقع في جنوب شرق إنجلترا.

**الميثاق الذي منحه الملك جون في عام 1215 ، معترفًا فيه بحقوق وامتيازات البارونات والكنيسة والحرفيين.

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى